جلست أمام رجلٍ أمضى عمره في دراسة أفكار البشر، يحفظ أقوال الفلاسفة، ويستشهد بحكمتهم، ويشرح لطلابه كيف أخطأ الإنسان في فهم نفسه منذ آلاف السنين. كان يتحدث بثقة من يعرف الطريق، بينما كنت أتساءل في صمت: هل تكفي قراءة آلاف الصفحات كي يصبح المرء أكثر فهمًا للحياة، أم أن بعضنا يقرأ الكتب كما يجمع الآخرون التحف؛ ليعرضها على الرفوف، لا ليترك لها أثرًا في روحه؟
تأملت طريقته في الحديث، وكيف كان يزن كلماته بعناية، ثم يمنحها تلك النبرة التي تجعل الاعتراض عليها يبدو ضربًا من الجهل. خطر لي أن المؤسسات لا تمنح الإنسان المعرفة وحدها، بل تمنحه أحيانًا هيئة المعرفة أيضًا؛ فيتعلم كيف يبدو حكيمًا قبل أن يتعلم كيف يشك في حكمته.
لم أكن أعرف إن كان يؤمن حقًا بكل ما يقول، أم أنه، بعد سنواتٍ طويلة من الوقوف أمام الطلاب، لم يعد قادرًا على التمييز بين أفكاره الخاصة والأفكار التي ينتظر الآخرون سماعها منه.
وربما كان صادقًا تمامًا، وربما كنت أنا من يبحث عن ثغرةٍ في صورته كي يطمئن إلى أنه ليس أفضل مني.
فمن يدري؟ لعلنا لا نكره غرور الآخرين بقدر ما نكره الطريقة التي يذكّروننا بها بإمكانية أن نكون مغرورين مثلهم.
وفي النهاية، لم أعد مهتمةً بمعرفة عدد الكتب التي قرأها، بل بالسؤال الأكثر إزعاجًا: كم فكرةً استطاع أن يتخلى عنها حين اكتشف أنها خاطئة؟
فليس كل من درس الحكمة صار حكيمًا، كما أن معرفة أسماء الطرق لا تعني بالضرورة أن صاحبها قد سار في أيٍّ منها.
• هوادة | مريم

