من فقه الإقراء: التدرج في إصلاح الخطأ بحسب مستوى الطالب، وتلقين الطلاب ما يناسبهم.
صليتُ مع إمام، وجلس بعد الصلاة يعلِّم الناس سورة الفاتحة، فقرأ الاستعاذة ثم البسملة، ثم قال لهم: أتمّوا كسرة الباء والميم من (بسم)، ولا تنطقوها ممالةً كأنها: (بيه) و(ميه)، ثم ذكر مسائل أخرى دقيقة لا تصلح إلا لطالب متقدم.
وما فعله هذا الأخ الفاضل ليس هو الأسلوب الصحيح في التعليم، وإن كان تحقيق الحركات وإتمامها أمرًا مهمًّا؛ لكنها مسائل دقيقة تحتاج إلى تدريب وممارسة لطلاب القرآن والقراءات، فما بالنا بعوام الناس؟.
فعامة من يجلس أمام الشيخ من العمال وعوام الناس وغيرهم، ولا يصلح أن يُشغَلوا بمثل هذه الدقائق، وإنما يُصحَّح لهم من الفاتحة ما تدعو إليه حاجتهم، ويُعلَّمون المهمَّ منها، وفي مقدمة ذلك تجنب اللحن الجلي، مع بيان صوره التي يمكن أن يقعوا فيها في سورة الفاتحة، وتعليمهم ما يحتاجون إليه من القراءة الصحيحة على قدر استطاعتهم.
وهذه مسألة من مسائل فقه القراءة والإقراء والتعليم التي ينبغي لكل معلّم ومقرئ أن يتعلمها، وهي: مراعاة حال الطالب ومستواه، وذكر ما يناسب مرحلته، والبدء بالأهم فالمهم، وتأخير المسائل الدقيقة حتى يستوعب الطالب الأصول التي يحتاج إليها في قراءته.
فليس كل ما يعرفه الشيخ يصلح أن يذكره لكل طالب، وليس كل خطأ يُعالَج بالطريقة نفسها، ولا كل مسألة دقيقة ينبغي أن تُطرح على المبتدئ.
ومن فقه المعلّم أن يعرف ماذا يقول، ومتى يقول، ولمن يقول.
فقد يكون الكلام صحيحًا في نفسه، لكن وضعه في غير موضعه، أو تعليمه لمن لا يحتاج إليه في مرحلته، قد يحول العلم من وسيلة للإصلاح إلى سبب للتشويش والتعقيد.
وهذا من فقه التدرج في العلم: أن يتلقى الطالب صغار المسائل قبل كبارها، وأصول العلم قبل دقائقه، وما يحتاج إليه قبل ما يستغني عنه.
وهو كذلك من الرفق بالنفس في طلب العلم؛ فإن النفوس إذا حُمِّلت فوق طاقتها نفرت، وإذا سِيق بها في العلم على التدرج ثبتت وانتفعت.
قال النبيُّ ﷺ: (وما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نُزع من شيء إلا شانه). رواه مسلم.
فمن فقه الإقراء أن لا يكون همُّ المقرئ أو المعلّم أن يُظهر للطالب ما عنده من دقائق العلم، وإنما أن ينظر: ما الذي يحتاج إليه هذا الطالب الآن؟
ثم يرقى به، مرحلةً بعد مرحلة، حتى يبلغ من العلم ما يناسبه، على بصيرة وتدرج وإحكام. والله أعلم.
كتبه:
حسن مصطفى الورّاقي
الجمعة: ٨/ ٣/ ١٤٤٨هـ




