الوطنية والإسلام بين الإفراط والتفريط
يُستعمل مصطلح «التفاهة» في بعض الكتابات الثقافية المعاصرة للدلالة على القبول بالمستويات المتدنية من المعرفة والجودة، ومن أبرز مظاهرها تصدّر غير المختص للحديث في قضايا تحتاج إلى معرفة دقيقة، ولا سيما حين يتعلق الأمر بالمفاهيم الدينية أو السياسية المركبة.
ومن هذه القضايا مفهوم «الوطن» وجدلية العلاقة بين الانتماء الوطني والانتماء الإسلامي. فعلى الرغم من وضوح الرؤية الإسلامية في الإيمان بمرجعية التشريع الإلهي وعلو القيم الدينية، فإن بعض الخطابات تجعل الدين محكومًا بصورة مطلقة بمفاهيم الوطنية أو القومية أو غيرهما من الانتماءات الجزئية، في حين يذهب خطاب آخر إلى الاتجاه المقابل، فيتعامل مع الانتماء الديني بطريقة تتجاهل خصوصيات الدول والمجتمعات وأنظمتها السياسية والقانونية. وقد ينشأ هذا الاضطراب من عدم ضبط المفاهيم، أو من إسقاط تصورات ذهنية وثقافية حديثة على مفاهيم لم تنشأ في السياق نفسه.
ومن هنا ينبغي التمييز بين «الوطن» بمعناه العام و«الوطن السياسي» بمعناه الحديث. فالوطن في الاستعمال الفقهي التقليدي يرتبط بمحل الإقامة والاستقرار وما يترتب عليه من أحكام، بينما يقوم مفهوم الدولة الوطنية الحديثة على عناصر أكثر تركيبًا، منها الأرض والشعب والنظام الدستوري الذي ينظم السلطة والحقوق والواجبات. فالأرض والسكان يرتبطان بعوامل تاريخية وجغرافية، بينما يتشكل النظام السياسي والقانوني وفق العقد الاجتماعي وطبيعة توزيع السلطة وتنظيمها. وإذا اختل هذا العقد وأنتج القهر أو الاستبداد أو ضياع الحقوق، نشأت الحاجة إلى الإصلاح أو التغيير ضمن الأطر التي تحفظ المجتمع وحقوق أفراده.
أما موقع الإسلام في هذه المعادلة، فيتمثل في كونه منظومة قيم وتشريعات تؤسس للعدل والكرامة والحقوق والمسؤوليات. وهذه المبادئ ذات أفق عام يتجاوز الحدود الجغرافية، من حيث خطابها الإنساني، كما أن لها إطارًا خاصًا يتعلق بجماعة المسلمين والتزاماتهم الدينية. وفي المقابل، توجد شؤون ترتبط بالزمان والمكان وخصوصيات كل بلد ونظامه الإداري والسياسي.
وعلى هذا الأساس يمكن التمييز بين المرجعية الدينية بوصفها مرجعية عامة في القيم والأحكام، وبين الدولة ومؤسساتها ودستورها بوصفها إطارًا لتنظيم الشأن العام داخل حدود جغرافية وسياسية محددة. وهذا التمييز لا يعني بالضرورة الفصل القيمي بين الدين والسياسة، بقدر ما يعني إدراك اختلاف مستويات الوظائف والصلاحيات.
وتظهر المشكلة عند اختلال العلاقة بين العام والخاص؛ فالإفراط في تقديم الخصوصية الوطنية على كل قيمة دينية أو إنسانية قد يحوّل الدين إلى شأن محصور داخل الحدود السياسية، وكأن القيم الأخلاقية والشرعية تنتهي عند حدود الدولة. وفي المقابل، فإن تجاهل خصوصيات البلدان وقوانينها ومصالح مجتمعاتها تحت عناوين دينية عامة قد يؤدي إلى اضطراب النظام العام وإضعاف مفهوم الدولة.
ومن هنا فإن احترام قوانين البلاد والوفاء بالعقود والالتزامات العامة يمكن أن يكون جزءًا من المسؤولية الدينية والأخلاقية ما لم يتعارض مع حكم شرعي ملزم، كما أن الالتزام بقيم الإسلام، وفي مقدمتها العدل وحفظ الحقوق وكرامة الإنسان، يمثل إطارًا قيميًا أوسع من الحدود السياسية.
إن التوازن بين هذين المستويين هو الذي يمنع الإفراط والتفريط: فلا تُؤلَّه الوطنية حتى تصبح معيارًا أعلى من كل قيمة، ولا تُلغى خصوصيات الأوطان والدول باسم شعارات عامة غير منضبطة. وفقدان هذا التوازن قد يفتح المجال أمام مشاريع الهيمنة التي تعمل، من جهة، على إقصاء الدين عن المجال العام، أو أمام خطابات أخرى تضعف الدولة والنظام الاجتماعي من جهة ثانية. والمطلوب هو صياغة علاقة متوازنة تحفظ مرجعية القيم الدينية، وتحترم في الوقت نفسه خصوصية الوطن والدولة والقانون والنظام العام.








