أسباب الرزق وأسباب قضاء الديون وفضل الصدقة:
أسباب السعة في الرزق
فمن هذه الأسباب نذكر:
التقوى:
فالمتأمل في هذه الكلمة سيرى أنها ذُكرت في كتاب الله تعالى في مواضعَ كثيرة ومختلفة؛ لكونها بابَ كل خيرٍ، وحاجزًا عن الوقوع في كل محرَّم، وهي زاد المؤمن إلى الآخرة، وبها يَجني متاعه فيها؛ قال تعالى: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ [البقرة: 197]، وهي من الأسباب التي تُفرِّج الكروب، وتَجلِب الرزق كما يهمنا في هذا المقال؛ لقول الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق: 2، 3]، وقال عز من قائل: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الأعراف: 96]، فلا سبيل لتحقيق الخير كله - ومنه نزول البركة، والسَّعةُ في الرزق - إلا بالتزام شرع الله، وقد فسر التقوى عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه بقوله: (التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل)، فمن كان هذا دأبه، فلا يَخافنَّ ضيقًا ولا كربًا ولا حرمانًا، الله يرزقه الخير بشتى صوره، ويُغدق عليه مِن فضله باستقامته؛ كما قال جل وعلا: ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾ [الجن: 16].
الاستغفار:
له فوائدُ عظيمة على الإنسان المسلم، فهو يسيرٌ على كل لسان، ومطلق في كل وقت ومكان، وهو من الأمور التي أمَرنا سبحانه بها؛ حيث قال تعالى على لسان نوح عليه الصلاة والسلام: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴾ [نوح: 10، 12].
وهو أيضًا سبب للرزق الوافر كما رأينا، ومن بين العبارات التي يمكن للمسلم الاستغفار بها مثلًا: "أستغفر الله"، و"أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه"، و"ربِّ اغفر لي"، و"أستغفر الله العليَّ العظيم"، وإن دأب على سيد الاستغفار: "اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلَقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرِّ ما صنَعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأَبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت"، فقد أصاب الخير من كل جوانبه، ورِزقه على الله.
الدعاء:
من بين أهم الوسائل التي يتواصل بها العبد مع ربه سبحانه: الدعاء، فمن خلاله يمكن أن يدعو اللهَ بقضاء حاجة، أو الشفاء من مرضٍ، أو تيسير أمرٍ، أو تفريج هَمٍّ، أو طلب رزقٍ، وما إلى ذلك، فهناك أدعية كثيرة هي سببٌ لجلب الرزق بإذن الله سبحانه، فقد جاءتْ فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله خادمًا، فقال لها: ((قُولي: اللهم ربَّ السماوات السبع وربَّ العرش العظيم، ربنا ورب كل شيءٍ، أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، مُنزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيءٌ، اقضِ عنا الدَّين، وأغْننا من الفقر)).
والمهم أن يَبتهل المسلم إلى الله، داعيًا إياه أن يوسِّع له في رزقه، وليكن محققًا التوحيد والإخلاص له سبحانه، عاملًا بأن يكون طعامه وشرابه حلالًا؛ لأنه سبحانه لا يقبل إلا طيبًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين؛ فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ﴾ [المؤمنون: 51]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [البقرة: 172]، ثم ذكر الرجل يُطيل السفر أشعثَ أغبرَ، يَمدُّ يديه إلى السماء: يا ربِّ، يا ربِّ! ومَطعمه حرامٌ، ومَشربه حرامٌ، وملبسه حرامٌ، وغُذِي بالحرام، فأنَّى يُستجاب له؟!)).
التسبيح:
يُسَن للمسلم التسبيحُ في كل وقت وفي أي مكان؛ إذ يمكن أن يَملأ ميزانه حسناتٍ في لحظات يُسبح الله فيها عز وجل، ويمكن أيضًا أن ينفعه الله تعالى بهذا التسبيح ويرزقه؛ فعن عبدالله بن عمرو قال: "كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل من أهل البادية عليه جُبَّة سِيجان مَزرورة بالديباج، فقال: ألا إن صاحبكم هذا قد وضَع كل فارسٍ ابنِ فارس! قال: يريد أن يضع كلَّ فارسٍ ابن فارس، ويرفع كل راعٍ ابن راعٍ، قال: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجامع جُبَّته، وقال: ((ألا أرى عليك لباسَ مَن لا يعقل؟!)).
February 3, 2025 143 1