«عندما اتأمل فكرة الفقد أجدها ليس فقط مجرّد غيابٍ لشيءٍ كان حاضرًا، بل هو انكسارٌ في بنية المعنى نفسها؛ لحظةٌ يتكشّف فيها الوجود بوصفه أقلّ رحمةً مما افترضناه فالإنسان حين يفقد لا يخسر موضوعًا محبوبًا فحسب، بل يفقد أيضًا النظام الضمني الذي كان يجعل العالم قابلًا للفهم ولهذا رأى شوبنهاور أن المعاناة ليست خللًا طارئًا في الوجود، بل بنيته الأعمق؛ فالإرادة التي تدفعنا إلى التعلّق هي نفسها التي تُعدّ مسرح الخيبة نحن لا نتألّم لأننا أحببنا، بل لأن الحبّ نفسه شكلٌ من أشكال الارتهان لزوالٍ محتوم.»
«ومن هنا تبدو لوحة Anguish للفنان August Friedrich Schenck تجسيدًا بصريًا لهذه الحقيقة القاسية: نعجةٌ تقف فوق جسد صغيرها الميت بينما الغربان تحيط بها ببرودٍ كونيٍّ لا يكترث بالصرخة ليست المأساة في الموت وحده، بل في أن الطبيعة نفسها ممثّلةً بتلك الطيور السوداء، تواصل قانونها اللامبالي كأن اللوحة تقول إن الفقد ليس حدثًا داخل العالم، بل لحظةٌ ينكشف فيها العالم على حقيقته: كونٌ يستمر حتى فوق أكثر الجراح براءةً.»




