"إنّ الحديث معكَ ليس خُرافةً أبداً، وإنّ قربَك ليس مجرّد حلم، إنّك حقيقيّ وقريبٌ وموجودٌ دائماً، تقول في حديثِكَ الشريف: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين” تعلّمنا أنّ الإيمان أصلهُ الحبّ، وكيف تكونُ أحبّ إلينا من الولد والوالد والناس، حتى يقول لك سيدنا عمر إلا من نفسي، فتردّ عليه، حتى من نفسك يا عمر، يعني أنّ حبّك هو حبّ يترفع عن كل ما تهواه النفس، إنّه قبل البداية، وأصلُ الفطرة، وصفوةُ النقاء، حبٌّ لا يدخلُ ضمنَ المفاهيم الإنسانية من الغيرة والشهوة والرغبة والمصلحة، حبٌّ خالصٌ، تفرّد به العظيم لنفسه حين اختصّه بالصلاة عليك، وأعطانا هذه الهبة، كلّنا نردد هذا الحديث ونسمعه ونقرؤه يا رسول الله، لكننا لا نبحر في كنه نوره وجماله، وأتساءل كيف أحبّك أكثر من نفسي؟ كيف أدرك ذلك وألمسه؟
ومن يحبّ يتبع محبوبه دون أن يسأل، فذلك من منتهى الحبّ، وروعة العشق، وتجلّيه على النفس والجسد، أحبّك حتى وأنا أرشف كأس الماء، أحبُّ أن أجلس، أن أرشفها ثلاث مراتٍ تماماً، وأحبّك وأنا أختارُ أحداثاً جميلة في أيامٍ معيّنة، فأحبُّ الاثنين والخميس والجمعة، وأعشق الاثنين لأنّك وُلِدْتَ فيه، هل تعلم ذلك؟ وأحبّ أن أتتبعَ يُسرَك الجميل في كل شيء، يرقّ قلبي على العشاق يا رسول الله، وأتذكر كيف لمتَ بعض الصحابة حين قتلوا أسيراً كانت تناجيه محبوبته، فقلت أما من رجلٍ يرقّ عليهما، وأحبّ عفوك وصفحك العظيم، لقد تعلمت به أن لا أسمّي تنازلي عن أخذ حقّي بيدي ضعفاً، وقد نزفت قدماك وقد وضعوا على ظهرك سلا الجزور وقد شجّوا جبينك الطاهر في أحد وقد آذوك مراراً وتكراراً، لكنّك دعوت الله لأهل الطائف، وكان لُطفك ينتصرُ دائماً على رغبتك بالاقتصاص، وحين دخلت مكّة احتويت أبا سفيان، وقد كان أشرّ الناس عليك حتى قلت: “من دخل دار أبو سفيان فهو آمن” لم تعطه الأمان فحسب بل أعليت قدره بأن يوزِّع الأمان على المشركين، فكنتَ أجمل رجلٍ مشى بين الناس، وكنت أعظم رسول سرت على شفتيه كلمة الله، وكنت أرقّ حبيبٍ يرقُّ على أمته، وأسألُ دائماً هل وصلتُ إلى هذا الحبّ، فحبّك يا رسول الله على الله إلا أنّه فيه جهاد ومشقّة، جهاد من يتخلص من كلّ ذرّةِ غبار يمكن أن تعكّر صفو هذا الحبّ، أحبّ ذلك التتبع الطفوليّ لكلّ تصرّفاتك وحركاتك وحتى طريقة جلوسك ومشيتك وردود فعلك، أنا غارقة في حبّك يا نبيّ الله، غارقة في هذا النور والجمال والبهاء، وليتك فقط تعلم أنّني لا أريد به سوى أن تحبّني، حتّى إذا التقينا في الجنّة لا أكون غريبةً عنك، فلا أقسى من أن يكون المحبّ غريباً على حبيبه، وصلى الله عليك وسلم."




