في حزيران الماضي وجهت جين شاهين، السناتورة البارزة وعضوة لجنة العلاقات الخارجية، رسالة شديدة اللهجة لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، انتقدت فيها بشدة وقالت: “منذ توقيع ميثاق مجلس السلام في كانون الثاني 2026، وعقد الجلسة الأولى برئاسة ترامب في الشهر التالي، بقي الكونغرس غائب بدرجة كبيرة عن عمل المجلس، حتى مع سعي الإدارة لتحويل عشرات ملايين الدولارات من الأموال الامريكية اليه. وبينما أؤيد بشدة جهود إعادة الاعمار الجادة والمسؤولة في غزة، فان افتقار المجلس للمساءلة والمعايير والوضع القانوني الواضح، يثير تخوفات جدية حول الاستخدام المسؤول لاموال دافعي الضرائب الأمريكيين”.
لم ترسل ولن ترسل مثل هذه الرسائل الى زعماء الدول العربية، التي الرقابة والإدارة السليمة ليست جزء من آليات اسهامها، ولكن حتى هؤلاء – الذين تعهد بعضهم بالاسهام بمليار دولار، الامر الذي سيؤهلهم لعضوة دائمة في المجلس – ليسوا في عجلة من امرهم لملء خزائن مجلس السلام. والاهم من ذلك، حتى لو تم تسلم التبرعات أو بعضها، فسيتعين عليها عبور حقل الغام يبدو حاليا مستعصيا حتى تصل الى هدفها.
لم يتم تشكيل قوة استقرار دولية بعد. صحيح ان القادة المغاربة قد انضموا بالفعل الى مقر قوة الاستقرار، لكن لم يتم نشر افراد الشرطة والجنود المغاربة في الميدان، بينما اكتفت اوغندا حتى الان بإعلان التزامها بارسال قوات، لكنها ما زالت غائبة عن المشهد. أما القضية المحورية فهي الشرطة الفلسطينية، التي من المفروض ان تعمل تحت اشراف مجلس الخبراء الفلسطيني.
حسب المعلومات المتوفرة اجتاز حوالي 5 آلاف شرطي فلسطيني الفحص الاولي من بين حوالي 250 ألف مرشح تقدموا بطلبات للانضمام الى القوة. ومن المفترض ان يحصل هؤلاء على التدريب والتاهيل في مصر، لكن إسرائيل تمنعهم من مغادرة قطاع غزة.
بدون قوة شرطة فلسطينية فعالة، لن تتمكن قوة الاستقرار الدولية من البدء في عملياتها، وبدونها لن تتمكن خطة إعادة الاعمار من الانطلاق أيضا. كشرط أساسي تطالب إسرائيل حماس بنزع سلاحها قبل بدء عمليات إعادة الاعمار، التي تشمل، إضافة الى بناء وحدات سكنية مؤقتة وإعادة تاهيل البنى التحتية للمياه والكهرباء، إزالة عشرات ملايين الاطنان من الأنقاض وتحديد مكان المتفجرات وتفكيكها واخلاء السكان وتوفير مواد البناء وانشاء نظام شرطة محلية وقضاء.
يجسد الشرط الذي تفرضه إسرائيل مفارقة واضحة. تسعى إسرائيل الى فصل مسؤوليتها الأمنية عن مسؤوليتها تجاه الواقع المدني في قطاع غزة. من ناحيتها تعتبر الأراضي التي تسيطر عليها حماس منطقة خارجة عن سيطرتها، وبالتالي فان حماس هي الجهة المسؤولة مباشرة عن كل ما يحدث هناك. مع ذلك، لا وجود لهذا الفصل في الواقع السياسي والعملي على الأرض. فخطة إعادة الاعمار نفسها مشروطة باتفاقات مع إسرائيل، وانسحاب إسرائيلي تدريجي من القطاع وفتح الطريق امام آلية حكم وقوة دولية لدخول القطاع.
👈فخ الجمود
يؤكد مجلس السلام أيضا على ان الانتقال الى إعادة الاعمار يعتمد على تنفيذ التزامات إسرائيل وعملية مشتركة لنزع سلاح حماس والانسحاب الإسرائيلي. وبالتالي، حتى بدون السيطرة الفعلية على المنطقة التي يتركز فيها معظم السكان، تبقى إسرائيل لاعبة رئيسية تحدد إمكانية وتوقيت الانتقال من الحرب الى المرحلة التالية. مع ذلك، بينما تملك زمام الأمور المتعلقة بالحركة والامن ودخول الهيئات الدولية، هي تحتاج الى آلية مدنية في غزة لا تمثل حماس، آلية قادرة على احتواء القطاع بدون إعادة ملء الفراغ.
هنا يكمن الفخ. فكلما زاد الوضع المدني سوءا زادت الصعوبة في إيجاد بديل لحكم حماس. ولكن من ناحية إسرائيل فان إعادة الاعمار قبل نزع سلاح حماس ستمكنها من إعادة بناء ذاتها، جنبا الى جنب مع إعادة بناء القطاع. هذه معادلة مبنية على فكرة ان الجمود في غزة يصب في مصلحة إسرائيل. لم تعد حماس تشكل تهديد امني لإسرائيل، لكن طالما استمرت في السيطرة على القطاع فستبقى في يد إسرائيل ذريعة لاستئناف الحرب، وطالما بقي القطاع مدمر وغير صالح للسكن، سيزداد الضغط على سكانه للمغادرة.
وقد صرح وزير الدفاع إسرائيل كاتس في السابق بانه “لا يوجد حل حقيقي لغزة بدون الهجرة”. وفي الأسبوع الماضي، ردا على انتقاد عوفر فنتر لـ “التردد”، كتب كاتس ان “الجيش الإسرائيلي مستعد اذا تلقى توجيهات بالقضاء على حماس، لاستكمال المهمة حتى نتمكن من تنفيذ خطة التهجير”. مع ذلك، محاولة الاعتماد على هذا الواقع قد تتحول الى فخ. فاستئناف الحرب في القطاع سيتعارض مع التوقعات الامريكية والدولية بانهاء الحرب، وستواجه الهجرة من غزة، في المقام الأول، معارضة من مصر، فضلا عن المعارضة الامريكية والدولية
#يتبع
