نعيش اليوم مفارقة تربوية تستحق التأمل؛ فأبناؤنا يعرفون عن العالم أكثر مما عرفناه في أعمارهم، وتصل إليهم المعلومات بسهولة مذهلة، ومع ذلك نجد كثيرًا منهم يعرف ما ينبغي أن يفعله ثم يعجز عن فعله.
يعرف الطالب أن الدراسة مهمة، لكنه يؤجلها، ويعرف أن الهاتف يسرق وقته، لكنه يعود إليه كلما حاول الابتعاد عنه. وهنا لا تبدو المشكلة مشكلة معرفة، بل مشكلة أعمق: هل يتعلم أبناؤنا كيف يقودون أنفسهم؟
فمعرفة الطريق شيء، والقدرة على السير فيه شيء آخر.
لقد أصبح العالم من حول الطفل قائمًا على الاستجابة السريعة؛ ما نريده يصل في لحظات، وما نبحث عنه نجده بضغطة واحدة، وكأن الحياة نفسها تعيد تشكيل علاقتنا بالصبر والانتظار. ثم تأتي التربية أحيانًا، بحسن نية، لتكمل هذا الأمر؛ فنرفع عن الأبناء كل مسؤولية، ونسارع إلى حل مشكلاتهم، ونحاول أن نزيل من طريقهم كل ما يزعجهم، ثم نتساءل بعد سنوات لماذا ينهار بعضهم أمام أول عقبة.
ولا يعني ذلك أن التربية تحتاج إلى قسوة، فالطفل يحتاج إلى الحب والأمان، لكن الحب لا يعني إزالة كل مشقة من حياته. فهناك أشياء لا يمكن أن يتعلمها الإنسان إلا حين يحاول، ويخطئ، ويتحمل نتيجة صغيرة، ثم يكتشف أنه قادر على المحاولة مرة أخرى.
وتشير دراسات في علم النفس إلى أن القدرة على تنظيم الذات، وتأجيل بعض الرغبات، والسيطرة على الانتباه والسلوك، ترتبط بالقدرة على الاستمرار في التعلم وتحقيق الأهداف. والأهم أن هذه القدرة ليست صفة ثابتة يولد بها بعض الناس ويحرم منها آخرون، بل مهارة تتشكل بالتدريج من خلال العادات والتجارب.
وهنا تظهر المفارقة التي نصنعها أحيانًا دون أن ننتبه إليها؛ نريد أبناءً طموحين، لكن الطموح يحتاج إلى صبر، ونريدهم مستقلين، لكن الاستقلال يحتاج إلى تحمل النتائج، ونريدهم أقوياء، ثم نقلق كلما واجهوا تجربة فيها شيء من التعب.
إن التربية لا تنجح حين يصبح الأبناء قادرين على تنفيذ التعليمات في حضورنا فقط، بل حين يبدأون، مع مرور الزمن، في بناء القدرة على إدارة أنفسهم حتى حين لا يكون أحد قريبًا منهم.
فربما كانت أزمة بعض أبنائنا اليوم أنهم يعرفون الطريق جيدًا... لكنهم لم يتعلموا بعد كيف يسيرون فيه وحدهم.
د. عبد الكريم بكار
https://t.me/drwasfy
Telegram
قناة د. وصفي أبو زيد
نحو رفعة ديننا وعزة أمتنا
https://youtube.com/@Profdrwasfy
https://x.com/dr_wasfy

7
4September 1, 2026 654 4