يستشهد بعض الناس بهذه الآية كلما أرادوا الحديث عن مالهم، أو نجاحاتهم، أو ما يملكونه من مظاهر الرفاهية، وكأن كل إظهار للنعم يدخل في معنى قوله تعالى:
﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾
لكن هذا الفهم يختزل معنى الآية في جانب ضيق، وربما أبعدها أحيانًا عن مقصدها.
فمن أقوال أهل التفسير أن أعظم النعم المقصودة هنا نعمة القرآن؛ إذ أكرم الله بها نبيه ﷺ، فكان من شكرها أن تُقرأ، وتُبلَّغ، وتُبيَّن حقائقها للناس. وقيل كذلك: إنها نعمة النبوة وما أودعه الله في رسوله من هداية ورسالة.
وهذا يفتح أمامنا معنى مهمًا:
ليس كل حديث عن النعمة حديثًا عن الذات، بل قد يكون حديثًا عمّا منّ الله به على الإنسان ليصل نفعه إلى الآخرين.
فإذا علّم الله إنسانًا علمًا نافعًا، كان من شكر هذه النعمة أن يعلّمه. وإذا وفقه لعمل صالح، فقد يكون من الخير أن يتحدث عن تجربته حين يكون في ذلك تشجيع للآخرين واقتداءٌ حسن.
لكن هنا يظهر الفارق الدقيق بين أمرين متشابهين في الظاهر مختلفين في الحقيقة:
أن يتحدث الإنسان عن النعمة ليُرى هو...
وأن يتحدث عنها ليُرى أثر فضل الله.
الأول يجعل نفسه مركز الحديث، والثاني يجعل النعمة طريقًا إلى الشكر والنفع.
ولهذا فإن الحديث عن النعمة ليس تصريحًا مفتوحًا للتباهي، كما أن التواضع لا يعني إخفاء كل خير فعله الإنسان.
إنما السؤال الذي ينبغي أن يسبق الحديث هو:
لماذا أتحدث عن هذه النعمة؟
هل لأشعر الآخرين بما أملك؟
أو لأذكر فضل الله، وأفتح أمامهم بابًا للأمل، أو العلم، أو العمل الصالح؟
ولعل في ترتيب الآيات معنى تربويًا بديعًا؛ فقد جاء الحديث عن اليتيم والسائل قبل الأمر بالتحدث بنعمة الله.
وكأن العمل مع الناس وتلبية حاجاتهم أولى من كثرة الكلام عن أنفسنا، وأن الإنسان قد يفعل الخير، ثم يذكر نعمة الله عليه بلسانه، لا ليمدح نفسه، بل ليبقى قلبه متعلقًا بالمنعم.
فليس المقصود أن نكثر الحديث عمّا نملك، بل أن نعرف كيف تتحول نعم الله علينا إلى شكر، وإلى نفع، وإلى هداية لغيرنا.
وهذا هو الفارق بين إنسان يتحدث عن نفسه من خلال النعمة...
وإنسان يتحدث عن نعمة الله من خلال نفسه.
د. عبد الكريم بكار
36
9
1September 2, 2026 1.3K 18