حين تجتمع الأشياء التي لا تجتمع
قلّما تجتمع في إنسان واحد صفاتٌ يتنازعها البشر عادةً؛ فمن اشتدّ في موقفه غلبته القسوة أحيانًا، ومن رقّ قلبه ضعفت هيبته حينًا. أما حين يتأمل المرء سيرة محمد ﷺ، فإنه يقف أمام شخصية اجتمع فيها من الخصال ما يندر أن يجتمع في إنسان واحد: قوةٌ لم تُلغِ الرحمة، وهيبةٌ لم تُبعِد الناس، وعدلٌ لم يمنع العفو.. وكأن في سيرته درسًا بليغًا في إمكان اجتماع الخصال التي يظن الناس أنها لا تجتمع.
ويظهر هذا التوازن في مواقف صغيرة أكثر مما يظهر في الخطب الكبرى. فحين دخل أعرابيٌّ المسجد فبال فيه، قام إليه بعض القوم، فقال النبي ﷺ: «دَعُوهُ ولا تُزْرِمُوه»، فلما فرغ دعا بدلو من ماء فصبّه عليه. رواه البخاري ومسلم.
لم يكن ذلك ضعفًا في الهيبة، بل كان رحمةً تعرف أن معالجة الخطأ لا تكون دائمًا بمزيد من الشدة؛ فقد ينجح الرفق حيث يعجز الزجر، وقد يكون تعليم الجاهل أبلغ من تعنيفه. ولذلك لم يكتفِ النبي ﷺ بإزالة أثر الخطأ، بل حفظ للرجل كرامته، وعلّمه ما لم يكن يعلمه.
وهذا الرفق لم يكن انفعالًا عابرًا، بل خُلقًا ثابتًا، كما وصفت عائشة رضي الله عنها رسول الله ﷺ فقالت: «ما خُيِّرَ رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه» (رواه البخاري ومسلم).
فاليسر عنده ﷺ لم يكن تراخيًا عن الحق، كما أن القوة لم تكن ميلًا إلى القسوة؛ وإنما كان لكل مقام ما يناسبه. ومن هنا تتجلى عظمة الشخصية التي تعرف متى تلين، ومتى تحزم، دون أن تفقد في الحالين اتزانها.
ولعلّ من أسباب المحبة التي يجدها القلب تجاه النبي ﷺ أن المرء كلما اقترب من سيرته وجد نفسه أمام إنسانٍ عظيم في رحمته، قويٍّ في موضع القوة، متواضعٍ مع الناس، قريبٍ منهم، لا يحتاج إلى القسوة ليحفظ هيبته، ولا إلى التنازل عن الحق ليكسب محبتهم.
وهكذا يبقى محمد ﷺ، كلما أُعيدت قراءة سيرته، حاضرًا في القلب لا بوصفه ذكرى بعيدة، بل بوصفه نموذجًا نادرًا اجتمعت فيه خصالٌ قلّما تجتمع؛ فازداد به الإنسان معرفةً، وازداد له حبًّا، وكلما ازداد حبّه له، ازداد شوقًا إلى معرفة ذلك الخُلق الذي أحبّه الناس فيه، حتى قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
د. عبد الكريم بكار
67
4August 26, 2026 2.4K 7