البحث المستميت عن الشفاء من كل علّة قد يجعلك مريضًا - بإستمرار - بدل ناجٍ متفوّق.
عندما بدأ جيلنا يتحدث عن الشفاء والعودة للذات لأول مرة استبشرت بذلك خيرًا ولم أكن أعتقد أنه قد يتضّخم لتصور حياة خالية من الحياة أو البراءة من النقص/العوز الإنساني الطبيعي
الصعود/التضخّم المفاجئ في التصور هزّ الشاب أكثر مما بناه لأنه لم يعد يعرف أين هو؟ هل وصل إلى التشافي أو سيجد في طريقه جروح/علل جديدة؟ كيف يضمن حماية ذاته على الدوام؟ هل عليه عدم تجاوز حدوده الشخصية بعدم الدخول في علاقات/شراكات/مشاريع جديدة؟ هل عليه الإنكفاء ليعيش في سلام دائم؟
ومع تطوّر الإنترنت كعالم إضافي/حياة أخرى وتراكم مجموع الخبرات، التجارب، القناعات التي نسمعها على الدوام أصبحت العُزلة العقلية للفرد مكثّفة بالمقارنة مع عوالم الآخرين وتصوراتهم ومعتقداتهم وأقدارهم أيضًا!، قرأت قبل فترة أن أصعب شيء على الإنسان المُعاصر هو أن يكون متمايزًا لأنه تحت نقد ثقافي رقمي مستمر يجعله يسعى للتشابه مع التصور العام ليضمن سلامته وقبول المجتمع له، فماذا لو كان التصور العام بحد ذاته متطرفًا أين يجد الإنسان شعوره بالراحة والأمن والقبول؟
أصبح الشاب يعتقد أنه ليس مضطرًا للمرور بالمشكلات/مواجهة العلل بل هو قادر على تجاوزها/التسامي فوق عجزها من خلال الإستفادة من تجارب الآخرين/الضخ المعلوماتي حوله، بينما لكل إنسان في تجربته الذاتية مسافات لم يسبق له عبورها لأنه لم يَمُر بالتجربة التي تفعّلها بعد، فلا يمكن أن تعرف شعور التعلق العاطفي قبل أن تقابل شخص يمكّنك من التعلق فيه - فيجعلك تواجه ذاتك من خلاله - وهذه تجربة طبيعية في الحياة العاطفية ما دامت لا تثير البؤس والشقاء بشكل متطرف وليست تكلفة مقابل الراحة النفسية للفرد ما دام يستطيع التعامل معها بوعي وإعادة توجيهها لتكون مثمرة وأكثر عمقًا وسعادة لأطرافها، عمق المشاعر الإنسانية ودقتها وحساسيتها هي أهم قدرة إنسانية لمواجهة الحياة وتحدياتها، بلوغ الأهداف والنجاح في العلاقات/التربية... الخ فهذا ما يجعل الإنسان إنسانًا.
الإنسان الحديث لم يعد هدفه أن يكون طبيعيًا بل أن يكون متفوقًا، أقوى من الشعور -السهل- بالوقوع بالحب لأن الإنترنت قد يُعيب ذلك بصفته إنهزامًا-عدم رضى بالذات- الحاجة للآخر... والتي هي طبيعة الإنسان العاطفية
بينما كان القصد الحقيقي للدعوة للتشافي في البداية هي أن لا يعيش الإنسان تحت ضغط الألم المستمر بسبب جهله بذاته ( أن لا يلغي ذاته في العلاقات / التعامل مع الحياة ) أي أن دافعها كان أن لا يهدم الإنسان نفسه بنفسه بسبب وحشته-ضموره الداخلي لعدم معرفته التعامل مع الألم فجاءت موجة التشافي بغرض التوعية الذاتية لإدارة العواطف-فهم الحياة العقلية الخاصة وحدودها وطبيعتها ، ولكن ما إستجَّد من النفور الشديد من الحقيقة الطبيعية للإنسان هو جهلٌ بالذات بدوره لأنه أصبح يعتقد أنه أكبر من أن يكون - محتاجًا - متناسيًا أن أصعب عقوبة على الإنسان هي النفي، الوحدة، أن يُحتَجز الإنسان داخل نفسه فيُمنَع من الشعور والإحساس والتفكير لأنه لايجد شيء ليتفاعل معه فيُحرم من طبيعته الإنسانية الحقيقية.
9August 7, 2026 408 2