يتوقّع نهاية البيت الشعريّ، ويهزّ رأسه وجدًا للمعنى في القصيدة، ويستعين على العمر بالنشيد:
"عمري إلى التسعينِ يركض مسرعًا
والنفس واقفة على العشرينِ"
ثمّ يتحوّل إلى البثّ والعشق والشكوى فينشد:
"بلى أنا مشتاق وعندي لوعة
ولكنّ مثلي لا يُذاع له سرّ"
يقول لوزير الثقافة اللبنانيّ: هل قرأت رواية أحدب نوتردام؟ ثمّ يخرج له من متنها "أزميرالدا" الفتاة الحسناء، وخنجرها مثلًا على أنّ الجمال بحاجة إلى سلاح يحميه.. يكلّم المسؤولين ويوصيهم: نحن بحاجة إلى أن نكتب أدبًا للثورة مثل رواية البؤساء لفيكتور هيغو، رواية المجتمع، رواية التفاصيل، رواية العمق والمفارقة والانتظارات.. يقرأ ساعات طويلة بنهم وعمق وشغف.
القائد المثقّف الشفّاف، ذو الدمعة الدانية تلتقطها صورة شهيد، أو ذكرى حبيب، أو حكاية فداء..
القائد المثقّف صاحب القضيّة، دون شكليّات، دون قصور ومواكب وأزياء وأثاث فاخر، دون مزارع ومقاصف، ومآكل وتذاكر سفر، وألوان من الدعة والراحة، وبروتوكولات استقبال...
القائد هنا هو النصّ المفتوح، الكناية في غلالة من الموسيقى، واللّفظة في قميص من التأويل، الوردة التي تتيح عطرها، وتزنّر نفسها بالشوك كي لا يهرق العطر ولا يضيع المعنى ولا يذلّ الجمال، العِمّة التي تجمع نفسها خيطًا مشغولًا من قمصان النبوّات، والكوفيّة التي نامت تحت خدّ المقاتلين في الجبهة، ورافقت دموع أصحاب اللّيل الطويل، وحمت من الشمس اللّاهبة رؤوس من خاضوا النار والصحراء..
كلّ هذا الإرث كان بظل القائد يحتاج إلى كثير من النار، يحتاج إلى كثير من الفولاذ والركام، يحتاج إلى أن تقع كلّ الأشياء، إلى أن تترمّد الأشجار والبيوت والكتب والعصا والكرسي والسجدة والنظّارة والمكتبة والمصحف وكأس الشاي، وأن تخمد كلّ الأصوات، وأن يُستبدل كلّ هذا بمحرقة كبيرة، بحفرة عميقة، بدلًا من الجثث والركام والدم والخراب..
يخرج القائد اليوم من البيت!
ينفض عن عباءته ما عرّاها من دخان، يلمّها فوق كتفيه، يعدّل نظّارتيه، ينظر إلى من جاؤوا إليه، إلى من حضروا عنده ينتظرون الكلمة، ينتظرون أن تنفرج الشفاجاؤواّها، ويتفجّر المعنى في محضره غزيرًا، يستحضر ما قاله العراق في جدّه الحسين (عليه السلام):
"مذ أبيتَ
يبايعك الدهر..
وارتاب في نفسه الموت
ممّا يراك
بكلّ شهيد
فأين تُرى جنّة
لتوازن هذا مقامك
هل كنت تسعى إليها... حثيث الخُطى
أم تُرى جنّة الله
كانت تريد إليك الوصول؟!".
July 8, 2026 8.9K 57