قالتْ عائشةُ رضي الله عنها: [لمّا رأيتُ من النبيِّ ﷺ طِيبَ نفسٍ قلتُ: يا رسولَ الله، ادعُ اللهَ لي].
فقال ﷺ «اللهمَّ اغفرْ لعائشةَ ما تقدَّم من ذنبها وما تأخَّر، وما أسرَّتْ وما أعلنتْ».
فضحكتْ، فقال ﷺ: «أيسرُّك دعائي؟»
قالتْ: وما لي لا يسرُّني دعاؤُك؟
قال ﷺ: «واللهِ إنَّها لدعوتي لأمَّتي في كلِّ صلاةٍ».
.
و«كلّ» من ألفاظ العموم، وإضافتُها إلى «صلاةٍ» تستغرق صلواتِه ﷺ: فرائضَه ونوافلَه، فليس استغفارُه ﷺ لأمَّته خاطرًا عابرًا، بل دعوةٌ راتبةٌ في محرابه.
وأنت لم تلقَه ﷺ ولم يلقَك، ومع ذلك سبقك دعاؤُه بقرونٍ، فكم مرّةً دعوتَ لنفسك بمثل هذا؟ وهل ضمن لك أبوك أو ولدُك هذا الوفاءَ المتتابعَ في كلِّ فريضةٍ ونافلةٍ؟
وهذا الحديثُ فرعٌ عن أصلٍ محكمٍ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
وأوّلُ ما يتبادر من الأولويّة: ولايةُ الحكم؛ أن يكون قضاؤُه ﷺ نافذًا عليك، ومرادُه ﷺ مقدَّمًا على مرادك، وهذا حقٌّ، لكنَّه نصفُ المعنى.
والآيةُ تقرِّر مع ذلكَ ولايةَ رعايةٍ ومصلحةٍ: أنّه ﷺ أنْظَـرُ لك في مصالحك من نفسك التي بين جنبيك، في دينك ودنياك وآخرتك.
قال ﷺ «ما من مؤمنٍ إلّا وأنا أَولى به في الدنيا والآخرة»، فقرن الدنيا بالآخرة.
فمن ولايتِه ﷺ أنَّه جعل حاجةَ المُذنِبِ مِن أمّته حاجتَه هو ﷺ، وادَّخر دعوتَه ﷺ شفاعةً، وأخبرَنا أنَّه ينتظرنا على حوضه، ويعرف أمَّتَه بسيماها. وهذا كلُّه شرحُ قوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
وها أنت ترَى أنَّه ﷺ كان أَولى بك من نفسك حين نسيتَها، وأرحمَ بها منك حين أضعتَها، وأحرصَ على مغفرة ذنبِها حين غفلتَ عن الاستغفار لها.
.
فأيُّ جفاءٍ أعظَمُ منْ أن يذكرك في كلِّ صلاةٍ ثمَّ تكون قليلَ الصلاة والسلام عليه؟
اللهمَّ صلِّ وسلِّم على مَن كان بنا أرحمَ من أنفسنا، وأدخِلْنا في دعائه وشفاعته، ولا تجعلْ رجاءَنا به ذريعةً للغُرور، بل باعثًا على محبَّته ﷺ واتِّباعه.






