ما لا تُكملُه العبقريَّة
هذه التَّرجمةُ ليست خبرًا عن ولدٍ عاقٍّ فحسب، بل هي كاشفةٌ عن حدٍّ من حدود الإنسان قلَّما يقف عنده المفتونون بالنُّبوغ: أنَّ العالمَ قد يفتح مغاليقَ العلوم، ولا يملك مفتاحَ قلبٍ واحدٍ في بيتِه؛ وقد تتزاحم الأمَّةُ على مائدته، ثمَّ يعجز أقربُ النَّاس إليه عن أن يذوق منها شيئًا.
لم يكن ابنُ الجوزي واعظًا محدودَ الأثر؛ فقد دوَّت مجالسُه في بغداد، وذاعت تصانيفُه، وعَبَر كلامُه القرونَ حتَّى بقي حيًّا بعد موتِه.
ولم يكن مقصِّرًا في تهيئة أسباب العلم لابنه عليٍّ: أسمعه الحديثَ صغيرًا من كبار الشُّيوخ، وأجلسه إلى جانبه في مجلس الوعظ، بل عقد له مجلسًا يوميًّا معه.
ومع ذلك كلِّه غلب على الابن اللهوُ واللَّعب، وصحبةُ المفسدين، وصار يتكلَّم في أبيه، حتَّى أبعده أبوه وهجره. ثمَّ انتهت مأساةُ العالم الذي وعظ الآلافَ إلى أن يقول ابنُ النَّجَّار إنَّه سمعه يقول: إنَّه يدعو على ولدِه كلَّ ليلةٍ وقتَ السَّحر.
وليس المرادُ جعلَ دعائه عليه نموذجًا تربويًّا؛ بل هو تصويرٌ لمبلغ الانكسار: اللِّسانُ الذي كان يهزُّ مجالسَ بغداد لم يبق له في شأن ولدِه إلَّا دعاءُ أبٍ محروقٍ في ظلمة السَّحر.
وهنا تظهر الحقيقةُ القاسية: العلمُ قدرةٌ موضعيَّةٌ، لا سيادةٌ شاملةٌ على الحياة.
فقد يبلغ الرَّجلُ الغايةَ في الفقه، ولا يحسن سياسةَ خصومةٍ؛ ويحيط بأسرار النُّفوس، ثمَّ تضيق نفسُه بأقرب النَّاس؛ ويقيم بناءً معرفيًّا تعجز القرونُ عن نقضِه، ثمَّ يعجز عن إقامة بيتٍ تُطيق أيُّ زوجةٍ البقاءَ فيه.
فالذَّكاءُ، والعلمُ، وحسنُ المعاشرة، وتربيةُ الأولاد، وتدبيرُ المال، وسياسةُ النَّفس؛ ملكاتٌ متجاورةٌ، وليست ملكةً واحدةً مَن أُعطي بعضَها أُعطي سائرَها.
4
2
2August 31, 2026 522 9