كانت ليلةً عصيّة على الإدراك ،لا أدري أكانت باردة أم ساخنة، ولا أدري إن كان ما يسري تحت جلدي من رجفةٍ وليدَ الطقس، أم وليدَ ما كان يضطرب في رأسي،
بعض الليالي لا تأتي من الخارج، تنبت في الداخل ثم تتكفل الأجساد بإتمامها،
حاولت أن تصف لي و أصابعها تتحرك في الهواء راجفةً كيف أمضى عمراً كاملًا في مطاردة شيءٍ لا يعرف كيف يسمّيه، مع ذلك، لم يستطع التوقف عن انتظاره، كان في عينيها ذلك الرجاء المكسور الذي لا يموت، مهما طال به الجوع،
كشفت عن كتفي بخشوعٍ يجرح الأذان من شدة سكونه، كأن جسدي صلاةٌ تخشى أن تخطئ في تلاوتها، ابتلعتني اللحظة حتى خُيّل إلي أنني أرغب في البكاء، أو التضرع، أو الاختفاء تمامًا داخل ما يهمس به الهواء حولنا لم تتحرك شفاهها لكني أفهم لغة المسامات، ارتعاش الجسد، انقطاع النفس، وأشمّ المعنى قبل أن يجد فمًا ينطقه،
توهجت أسنانها بعرق ينساب على جسدها بغزارة، كأن شيء داخلها قد انكسر أخيرًا وقررت أن تفيض، أمسكت ذراعي بقوة، وحدّقت في وجهي كمن وجد الفرصة المثالية و قرر إقتناصها،
ثم قالت بصوتٍ لم يعد يشبه صوتها:
اقتلني، وادفني بين ذراعيك، حرّر روحي المعذبة من نفسها، أريد لهذه اللحظة أن تدوم، أن تتجمد في عيني إلى الأبد..
لا أذكر لماذا ابتسمت
ربما لأنني لم أفهمها
وربما لأنني فهمتها أكثر مما ينبغي
طوقت عنقها بيدي، وقرّبت وجهها مني، وقبلت شفتيها بنهمٍ جعل العالم كله يبدو، للحظة، بعيدًا و كأنها حكاية خيالية لن يكملها الأطفال قبل ان يناموا،
لاح مسمعي صوت حادّ، خاطف، كأن سهمًا احتضن جدارًا رطبًا ثم اخترقه،
للحظة واحدة، صليت في سري ألا يكون ذلك سوى الصرخة الأخيرة للذة لم يعرف لها العالم صوت مألوف،
لكن رأسها تناثر أمام عيني كنجومٍ سوداء
سقطت من سماءٍ ميتة،
وبقيتُ هناك، مبلل أحدق في شيء لم أعد أعرف له اسمًا
شيء يشبه المطر.؟
أو ربما النشوة.؟
شيء كان له، للمرة الأولى، حي جدًا لكن بطعم الموت . .