كنت في دولة من دول آسيا الوسطى من فترة قريبة، وجذب انتباهي إن الأشجار… — Basem Elewa-باسم عليوة — TG.ME

كنت في دولة من دول آسيا الوسطى من فترة قريبة، وجذب انتباهي إن الأشجار في كل مكان، لدرجة إنها أحيانًا بتغطي على البيوت نفسها، وعاملين لها مجاري للري ممتدة في أنحاء البلد عشان يكون ري الأشجار تلقائي ومستدام.
فسألت أحد الأصدقاء اللي كان معايا: هي الناس أصحاب البيوت مش بيقطعوا الشجر ده ليه؟
قالي: لا طبعًا.. يقطعوا إيه!
ده الشجر هنا معروف ومتسجل، وعشان تقطع شجرة محتاج موافقات من الجهات المختصة.. الموضوع شبه قرار سيادي كده 🤷🏻‍♂️
الكلام استوقفني، خصوصًا لما قارنته بمشهد بنشوفه أحيانًا عندنا في مصر وبعض الدول: شجر عمره عشرات السنين ممكن يتقطع بكل سهولة عشان توسعة طريق أو إنشاء جديد،
وأحيانًا من غير ما نعرف: مين قرر؟ وليه؟ وهل كان فيه بديل؟ وهل هيتزرع مكانه ولا لأ؟
فسألت نفسي: طيب أكيد كان عندنا في التاريخ الإسلامي شيء بينظم التعامل مع الشجر والموارد دي؟
و لقيت نظام قديم جدًا اسمه «الحِمى».
الحِمى كان موجود قبل الإسلام، وكان ممكن يستخدمه الأقوياء لحماية المراعي لأنفسهم، لكن الإسلام أعاد توجيه الفكرة للمصلحة العامة، فظهرت مناطق محمية يُنظم الانتفاع بها والرعي والاحتطاب فيها، حفاظًا على الموارد ومنعًا لاستنزافها.
والفكرة وصلت حتى للحرب؛ فورد في وصايا أبي بكر رضي الله عنه لجيوشه النهي عن قطع الشجر المثمر وإتلاف النخل.
وفي المقابل، القرآن نفسه ذكر قطع بعض نخل بني النضير في ظرف عسكري محدد: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
الآية نزلت في حصار بني النضير، لما قطع المسلمون بعض النخل وتركوا بعضه، فبيّن الله أن ما حدث لم يكن إفسادًا عبثيًا، وإنما كان بإذنه في تلك الواقعة.
يعني: قطع الشجر مش ممنوع لذاته في كل الأحوال، وإنما العبرة بسبب القطع والمصلحة المعتبرة فيه
وده تقريبًا اللي لقيته في آسيا الوسطى النهارده.
ففي بعض الدول هناك قطع أنواع من الأشجار مش قرار فردي بسيط ده فيه تنظيم وتصاريح ومعاينة من الجهات المختصة، وعقوبات على القطع غير القانوني.
وهنا بالنسبة لي الموضوع بقى أكبر من مجرد شجرة..
إحنا بنتكلم عن إدارة أصول وموارد.
لأن الشجرة اللي عمرها 40 أو 50 سنة، قيمتها مش سعر الخشب اللي هنطلعه منها لو قطعناها.
ده أصل استغرق عشرات السنين عشان يتكون، وبيقدم منافع مستمرة للمجتمع.
فعشان كده لما نقرر نقطعها، السؤال الاقتصادي مش بس: هنكسب إيه من قطعها؟ السؤال كمان: هنخسر إيه؟ وهل فيه بديل؟ ولو اضطرينا نقطعها، إزاي هنعوض الأصل اللي فقدناه؟
ومن فترة دخل معايا شخص في استشارة، وحكى لي عن صناعة كاملة قائمة على شيء اسمه Carbon Credits – أرصدة الكربون.
الفكرة ببساطة إن فيه مشروعات بتخفض أو تزيل الانبعاثات الكربونية، ومنها مشروعات التشجير وإعادة التشجير، وبعد قياس الأثر والتحقق منه ممكن تصدر أرصدة تمثل مقدار محدد من خفض أو إزالة الانبعاثات.
والشركات تقدر تشتري الأرصدة دي لتعويض جزء من بصمتها الكربونية، بل وبقى لها أسواق ومنصات للتداول.
والأجمل إن الموضوع مش بعيد عننا أصلًا.. مصر نفسها أصبح عندها سوق طوعي منظم لتداول شهادات خفض الانبعاثات الكربونية، والشهادات دي اعتبرتها هيئة الرقابة المالية أدوات مالية قابلة للتداول.
متخيلين أهمية الموضوع؟
الشجرة اللي ممكن واحد يشوفها مجرد عائق في طريق ويقطعها.. العالم النهارده بقى بيحاول يقيس أثر زراعتها والمحافظة عليها، ويحول جزءًا من الأثر ده لقيمة اقتصادية قابلة للقياس والتداول.
وعشان كده الموضوع فعلًا أكبر من مجرد شجرة.
كل ما بقرأ في التاريخ الإسلامي أجد نماذج مبهرة في حفظ الموارد وتنظيم الانتفاع بها ومنع الإفساد والاستنزاف، وكل ما بقرأ في الاقتصاد الحديث بلاقي محاولات للتأصيل لنفس مبادئ النظام الاقتصادي في الإسلام
وده يخليني مقتنع أكتر إننا محتاجين نرجع لتراثنا ونقرأه بعين مشاكل عصرنا، ونستفيد من أصوله ومقاصده، وفي نفس الوقت نستفيد من الأدوات الحديثة في القياس والإدارة.
لو أول مره تعرف المعلومة دي اعمل شير للبوست واكتب لي في التعليقات رأيك في موضوع قطع الأشجار؟
#باسم_عليوة
#شريعة_أوديت
#الاقتصاد_الإسلامي
#إدارة_الموارد
#قطع_الأشجار
❤29
September 6, 2026 969 1