مختارات من مقال يناقش مقولة :
(ماترك الأول للآخر شيئاً)
روى عبدالرزَّاق الصَّنعانيُّ (20946): عن مَعمرٍ عن الزُّهري قال: كان مجلسُ عمرَ بن عبد العزيز مغتصًّا من القرَّاء؛ شبابًا كانوا أو كهولاً، فربَّما استشارهم، فيقول: "لا يمنَعْ أحدًا منكم حداثةُ سنِّه أن يُشير برأيه؛ فإنَّ العلم ليس على حداثة السنِّ ولا قِدَمه، ولكن الله يَضعه حيث شاء"
قال ابن مالك (ت672هـ) في مقدِّمة كتابه "تسهيل الفوائد، وتكميل المقاصد": "وإذا كانت العلومُ مِنَحًا إلهية، ومواهبَ اختصاصيةً فغيرُ مستبعَدٍ أن يُدَّخَر لبعض المتأخِّرين ما عسُرَ على كثيرٍ من المتقدِّمين، أعاذنا الله من حسدٍ يسدُّ بابَ الإنصاف، ويصدُّ عن جميل الأوصاف"
وأنشدَنا شيخنا الأديب عبد الله بن سلامة المؤذن:
قُلْ لِمَن لا يَرى الْمُعاصِرَ شيئًا
ويرى للأوائلِ التَّقْديما
إنَّ ذاك القديمَ كانَ حديثًا
وسَيُسمَى هذا الحديثُ قَديما
وقال محمد بن الحسن الفاسي في كتابه "الفكر السامي، في تاريخ الفقه الإسلامي" (2/ 516) معلقًا على قول الشاعر:
لم يدَع مَن مضى للَّذي قد غبَرْ
فضْلَ علمٍ سوى أخْذِه بالأثَرْ
ويقال: ليس بكلمةٍ أضرَّ بالعلم من قولهم: "ما ترك الأول شيئًا"؛
لأنه يقطع الآمال عن العلم، ويحمل على التقاعد عن التعلم، فيقتصر الآخر على ما قدَّم الأولُ من الظواهر، وهو خطر عظيم، وقول سقيم، فالأوائل وإن فازوا باستخراج الأصول وتمهيدها، فالأواخر فازوا بتفريع الأصول وتشييدها، كما قال عليه الصلاة والسلام: (أمتي أمة مباركة، لا يُدْرَى أوَّلها خير أو آخرها)).
هذا خيال شاعر، ليست حجَّة عقلية ولا شرعية، أوجبها تأخر الأفكار الإسلامية وركونها للجمود، وقد قال فيه اليوسي في القانون: لا أضرَّ بالعلماء والمتعلمين منه، وتحجيرٌ لفضل الله الذي لم يوقَّت بزمان ولا مكان، ويقابلها قول الشاعر الذي صدَّقه الأوائل والأواخر:
كم ترَك الأولُ للآخر
انتهى