متى اكتمل تكوين وتحرير التلمود البابلي؟
تذهب الدراسات النقدية الحديثة إلى أن التلمود البابلي لم يكتمل في صورته النهائية في القرن السادس، كما هو بحسب زعم التقليد، بل استمرت عملية جمعه وتكوينه وتحريره خلال القرون اللاحقة على أيدي محررين مجهولين في وسط البيئة الإسلاميَّة. ويضع مجموعة من الباحثين، ولا سيما ديفيد فايس هاليفني (2022م) -وهو أحد أبرز علماء التلمود البابلي ونقده النصي والأدبي- احتمالية اكتمال هذه العملية بعد النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي تقريبًا.
ويؤكد هؤلاء أن مرحلة (الإغلاق)، أي نهاية عملية تكوَّن التلمود، لم يكن بفعل رسمي أو بقرار بشري، وإنما بلغ نهايته تلقائيًا؛ أو الأحرى أن عملية تكوينه خمدت تدريجيًا في حدود 770م. ويرى هاليفني أن التلمود لم يُغلق أو يُختم قط بالمعنى الدقيق، فقد استمرت إضافة حواشٍ وتعليقات موجزة إليه حتى بعد ما يُعرف بمرحلة (إغلاق) التلمود في ذلك الوقت.
وهذه الدراسات مهمة جدًا حسم تاريخية تكوين التلمود وتحريره، فليس هناك مجلس ديني أو مجموعة من الحاخامات قررت سنة 770م إغلاق التلمود، بل هناك ثلاثة مراحل مهمة، وهي:
أولًا: نهاية عملية إنتاج التلمود الأساسية، نحو سنة 770م.
ثانيًا: لم يكن ذلك التاريخ ختمًا رسميًا، وإنما توقفت العملية تدريجيًا.
ثالثًا: حتى عام 770م ليست نهاية مطلقة لتغير النص؛ بل استمروا في إضافة حواشٍ موجزة حتى بعد (إغلاق) التلمود.
وأضيف عنصرًا مهمًا، وهو أن عملية تحرير وتنقيح التلمود والإضافات الأخيرة تمت في قلب العالم الإسلامي، وفي عاصمة الخلافة العباسيَّة وما حولها في العراق. كذلك، عرف المختصون قدرة اليهود الفائقة على التأقلم والتماهي والعيش الثقافي والحضاري في المجتمعات التي تستوطنوا فيها، ومدى استلهامهم للمواد العلمية والفقيهة والقانونية لتلك المجتمعات وإدخالها في مدوناتهم الدينية والفقيهة، قبل الإسلام وبعد الإسلام.
وتذكر تاليا فيشمان، المستشرقة والباحثة الأمريكية المتخصصة في الدراسات اليهودية، أن المكانة المتفوقة للتلمود في الدراسة اليهودية ودوره الحاسم في توجيه الممارسة لم يترسخا بالصورة المعروفة إلا في أواخر القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر، وترتبط هذه النقلة، في تحليلها، بتحول التلمود من تقليد ذي حضور شفهي قوي إلى مكتوب ومتداول، مع اختلاف توقيت هذا التحول بين البيئات السفاردية والأشكنازية.
ويمكن الإضافة إلى ذلك، أن أقدم مخطوطة باقية تشتمل على التلمود البابلي كاملًا هي مخطوطة ميونخ 95 المؤرخة بسنة 1342م، أما التلمود الأورشليمي فمخطوطته الكاملة الأساسية الباقية هي مخطوطة ليدن المؤرخة بسنة 1289م.
4
2August 26, 2026 881 7