حرائق الشرق الجزائري... فهل من متعظ؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلوات التامات الأكملان على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إن المؤمن الذي وُفِّق لفهم التوحيد واستشعار عظَمَة الربوبية، ينظر إلى هذا الكون بعين البصيرة والاعتبار، فيرى أن المقادير كلها بيد الله تبارك وتعالى، لا يقع في ملكه إلا ما يشاء، ولا تحرك حركة ولا تسكن سكنة إلا بإذنه وقضائه.
وإذا كانت الحوادث والنوازل تنزل بالعباد—من قحطٍ أو جفاف، أو حرائق تلتهم الديار وتأكل الثمار وتهلك في الأرواح—فإن أهل السنة والجماعة والسالكين على صراط السلف الصالح رضي الله عنهم، لا يقفون عند ظواهر الأسباب المادية مجردة عن فاطرها وموجدها، بل ينفذون ببصائرهم إلى "مسبب الأسباب" جل في علاه.
وفي هذه الأوقات العصيبة التي تداعت فيها فاجعة الحرائق في شتى ولايات الشرق الجزائري، يُصبح من أوجب الواجبات التأمل في مقاصد الابتلاء، والوقوف على العِبَر والنُّذُر التي يرسلها الله تخويفًا للعباد وتذكيرًا لهم بالرجوع إليه، قبل أن تأتي آيةٌ لا ينفع معها الندم.
عندما تتداعى الأخبار بفاجعة الحرائق التي ألمّت بإخواننا في الشرق الجزائري، وأكلت الخضر واليابس، وحصدت النفوس، وأصابت الأبدان، يجد السالك على طريقة السلف الصالح رضي الله عنهم نداءً جليًّا يدعو القلب إلى التجرد من ربقة الغفلة.
فالقوم كانوا ينظرون إلى الكوارث والمصائب بعينين متكاملتين:
عين القدر والشريعة، ولا يقفون عند مظاهر الأسباب المادية مجردةً عن باريها.
عين الاعتبار ونفوذ البصيرة إلى مسبب الأسباب
قد تقع هذه الحرائق بعامل بشري، كجريمة نكراء من عابث أو مفسد، أو بسبب الظروف الجوية من سموم الرياح وشدة الجفاف؛ بيد أن السؤال المتقرر عند أهل السنة والجماعة هو: من الذي أذن للسبب أن ينتج مسببه؟ ومن الذي أرسل الريح العاصف فتولى سَوْق لهيب النار بين الأشجار؟ ومن الذي سلب القدرة على إطفائها في لحظات؟
إن الأسباب لا تعمل بنفسها ولا تستقل بالإيجاد، بل هي مقدورةٌ لله تبارك وتعالى، يعطلها إذاشاء كما جعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم، ويمضيها إذا شاء حكمةً منه وعدلاً. فالاعتماد الكلي على التفسير المادي المجرد وغض البصر عن الموجد سبحانه، مسلكٌ يُورث قسوة القلوب وذهاب الخشية.قال الله جل في علاه:
﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: 59].
الذنوب والمعاصي وأثرها في الفساد الظاهر
إن السلف الكرام كانوا ربانيين، يربطون ما يحدث في الأرض بما يقع من بني آدم من طاعة أو عصيان. فاستعلان الفواحش، واعتياد المجون، وتسمية المعاصي بغير أسمائها—كالشرك بالمحبة، والتبرّج بالحرية، والمنكر بالظرف والتحضر—كلها موجبات لرفع العافية ونزول البلاء.
والبلاء حين ينزل لا يستلزم أن يكون عقوبة كمالية استئصالية، بل قد يكون سوط تذكير، ونزعًا لرداء الأمان الكاذب ليراجع العبد حسابه قبل فوات الأوان.طبيعة البلاء:
الاستغفار يدفع البلاء، والإصرار على الذنب يجلب الآيات التخويفية.
الواجب عند النوازل:
الفزع إلى الصلاة، والتوبة الصادقة، ورد المظالم، والإكثار من التضرع والدعاء.
موقف المؤمن:
عدم قطع الجزم بعقوبة فلان أو براءة فلان، بل إعمال الخوف المحمود الذي يبعث على العمل والإصلاح.الفزع إلى التوبة والإنابة:
إن من أعظم الحرمان أن تمر الآيات العظام والنُّذُر الباهرة على ديار المسلمين، فيكون حظ المرء منها مجرد متابعة التقاليل الأخبارية والتحليلات الجغرافية، دون أن يتحرك في قلبه واد من أودية الخشية والوجل
إن النار التي أحرقت الشجر والأبدان في الدنيا تذكرنا بأمر أعظم: نار الآخرة التي وقودها الناس والحجارة.
فالواجب اليوم على كل مسلم في هذه البلاد وفي غيرها، أن ينفض عن كاهله غبار الغرة، وأن يعلم أن السلامة لا تُنال إلا بالاعتصام بالكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، وتطهير المجتمعات من مظاهر التسخط على شرع الله واستسهال الذنوب.
نسأل الله العظيم، رب العرش العظيم، أن يرحم المستضعفين، وأن يتقبل الموتى في الشهداء، وأن يشفي الجرحى والمصابين، وأن يعوض المتضررين خيرًا، وأن يحفظ الجزائر وسائر بلاد المسلمين من كل سوء ومكروه، وأن يرزقنا توبة نصوحًا قبل الممات.