قد علم من صاحبني وصاحبته فترة من الزمن أني كثير الحركة دائمُها، لا يمر عليّ أسبوع دون معرفة شخصية جديدة هنا وهناك، بلقاءات وجاهية او عبر الأثير، ولربما صادفت كل بضعة أشهر شخصية استثنائية يعزّ أن تجد مثلها، وهذه من نعم الله العظيمة علي..
لكنني سأحدثكم بعجب.
جلست قبل يومين مع رجل أقل ما يقال عنه عالم بالتراث الإسلامي المعقول، من ابن تيمية الى متون الفلسفة الإسلامية (نسبة الى التراث لا إلى الدين)، رحل لا يكاد تمر عليه دقيقتين من غير ان يذكر اسم كتاب جديد على ذهني او أعرفه، ويستدل منه على كل شاردة وواردة نتكلم فيها من لغو الكلام أو مفيده!
رجل فتح لي في الفقه أبوابا ومسائل لم أسمع بها من قبل، وهذا يدل على عقل الرجل لأنني جالست من درس الفقه ولم يفتحوا تلك الأبواب ولم يستدلوا بتلك الاستدلالات، وفضل الله واسع لا حصر له..
لكن العجب ليس هنا، بل في النقطتين التاليتين..
حدثني أنه استعصت عليه مسألة عويصة في فهمها، فشرحها لي بإيجاز وسمّاها تسلسل الشروط أو شيء كهذا، ثم بعد ذلك قضى ليلته لا ينام ولم يهدأ له بال من التفكير، فقرر ان يسلك مسلك ابن تيمية في الفتح، فبدأ يكرر اللهم يا معلم آدم علمني يا مفهّم سليمان فهمني.. الى أن نام..
فقال لي: رأيت في المنام شيخ الإسلام ابن تيمية بنفسه! جالس ويرتدي لباس السلاطين، على نفس الأوصاف التي ذكرت عنه وأُثرت في الكتب من شكل لحيته وحدّة نظر عينيه.
قال فبدأت أشرح له المسألة وأطلت في الشرح، وهو يرمقني بنظرة عينيه الحادّة تلك وكأنه يخترق جسدك فيها.
ثم عندما انتهى قال له الشيخ: هل انتهيت؟ قال نعم، قال: وما استشكالك؟ قال كذا وكذا، قال الرجل فأجابني الشيخ ابن تيمية بجواب المسألة! وانتهت الرؤيا..
وهذا والله من عجيب ما يسمع الإنسان به في حياته، لكنني لم أذكر لك أعجب ما في القصة، هذا الرجل لم يجاوز عمره السادسة والعشرين، وقد قرأ درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ما يزيد عن سبع مرات عدا عن انه قرأ ودرس كامل نتاجه قبل ان يصبح عمره تسعة عشر سنة، وله مشروع في تدريس تراث الشيخ، عدا عن قراءته المذهلة في صنوف العلوم الاسلامية..
اللهم أهّلنا لفضلك، وخذ بأيدينا أخذ الكرام عليك، لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، سبحانك إنا كنا من الظالمين.
- أوس الصامدي


