الذين يُقدسون القانون ويُدافعون عنه، لا يُقدسون شيئًا واحدًا ولا يدافعون عن شيءٍ واحد، إنما هو متعدد في كلياته فضلًا عن جزئياته، بل متناقض في كلياته فضلًا عن جزئياته، فأي قانون يدعون الشعوب لاحترامه وتقديسه؟! القانون الذي يُجيز زواج الشواذ أم القانون الذي يمنعه؟! القانون الذي يُبيح الطلاق أم القانون الذي يُقيده أم القانون الذي يبيح الزواج بين الزوجين أم القانون الذي يُقيده؟! القانون الذي يُبيح التبني أم القانون الذي يمنعه؟! القانون الذي يُطلق يد المورث في اختيار من يرثه - ولو كان كلبًا - أم القانون الذي يُقيد سلطته ويُحددها؟! القانون الذي يأخذ بعقوبة الإعدام أم القانون الذي يمنعه مطلقًا؟! القانون الذي يُقيد صورها وطرقها أم القانون الذي يمنع الأخذ بها؟! القانون الذي يُجيز شرب الخمر أم القانون الذي يُقيده أم القانون الذي يمنعه؟! القانون الذي يصل بالضرائب والرسوم إلى الثلث أم الربع أم العشر؟! الذي يقر بمنح الخاضعين له فوائد على أموالهم وودائعهم مقابل حفظها لهم أم الذي يقتطع منها نظير حفظها؟!
عشرات ومئات الأمثلة المتعارضة والمتناقضة من القوانين، وكلها يُؤسس لها واضعوها تارةً بالعقل وتارةً بالتجربة، ولا يكاد يوجد جُرم واحد تتفق كل الأنظمة على عقوبة مشتركة له فضلًا عن تجريمه!
أما الشريعة فهي ليست سوى موضوع واحد، يحمي مصالح واحدة متعلقة بالاجتماع البشري في حد ذاته، هذا الاجتماع الذي لا يُمكن أن يصلح إلا بتعاون وتمانع من خلال حدود فاصلة جازمة وأحكام حازمة، فهي - أي الشريعة - وإن اختلفت المذاهب حول كثير من جزئياتها، لكنها لا تختلف أبدًا حول كلياتها، لأن وحدة الكليات تضمن قيمة الثبات، كما يضمن الاختلاف في الجزئيات قيمة المرونة، والجمع بينهما أمر جد عسير.
من كتاب الشريعة المعجزة لد. محمد وفيق زين العابدين.
لقراءة المقدمة والفهرس
لشراء نسخة إلكترونية
لشراء نسخة ورقية

6
1July 28, 2026 474 2