يدَّعي الرأسماليون أن الرأسمالية قادرة على إشباع الرغبات، والرأسمالية لا تُشبعها حقيقةً بقدر ما تُنتجها وتخلق وهمًا بإشباعها، لأنها تخلق عددًا لا متناهيًا من الحاجات وعددًا لا متناهيًا من طرق إشباعها وعددًا لا متناهيًا آخر من الروابط بينها، وإذا كان يمكن أن نقول إن المصانع العملاقة والشركات الكبرى هي أذرع الرأسمالية؛ فيمكننا القول إنها المستفيد الأوحد من عمليات الخلق سالفة الذكر، فتعملقها رهن قدرتها على خلق غير متناهٍ للرغبات، وتعاظُم أرباحها ليس لعبقريتها الإدارية التي طالما تغنّت بها مُخدِّرات "التنمية البشرية"، إنما في الحقيقة لإنتاجياتها العالية للحاجات.
إن الفرق بين الحاجات في عالمي الإنسان والحيوان، أنها في عالم الحيوان ذات مجال محدود، فلا مجال لزيادة الحاجات ولا مجال لتفتيتها وتجزئتها لتصبح أكثر وفرة وأكثر تنوعًا ومن ثَمَّ تتنوع طرق إشباعها وتتضاعف، فلماذا الفرق إذن رغم وحدة الغريزة في عالمي الإنسان والحيوان؟!
هل الفرق في العقل ذي القدرة الهائلة على التصور؟! أم النَفْس ذات الفيض الهائل بالمشاعر؟!
إن القدرة على التصور وفيض المشاعر عاملان حاسمان في إيجاد فضاء هائل خصب لمضاعفة الحاجات وامتداداتها، وهذا ما تعتمد عليه الرأسمالية من خلال قدر هائل من الألوان والكلمات والصور؛ تسلب الإنسان حريته الحقيقية وتأسره في وحشيته بالكلية، فيزداد بؤسه وتبعيته إلى ما لا نهاية، فسيادة الإنسان تُنتهك في ظل الرأسمالية انتهاكًا شديدًا يجعله مُسخَّرًا لها لا مُسخِّرًا، لا سبيل إلى إرضائه ولا إشباع حاجاته.
فالحاجات الاجتماعية والاقتصادية هي في حقيقتها حاجات ذهنية، ونظام الحاجات هو نظام مرتبط بالأساس بالمعرفة (من خلال التصور)، والإرادة (من خلال المشاعر).
وأكبر دليل على ذلك ما ذكره مالك بن نبي حول ما خلَّفه الاستعمار في المسلمين، حيث جرى عليهم قانون التقليد كما يجري على كل كائن فقد أصالته، فكان عندئذ أميَل لتقليد الحاجات منه إلى تقليد الوسائل لأنه فقد وعيه الحضاري أيضًا.
ومنه يُعلم كيف شكَّلت أفكار (الزهد) و(الرضا) أفكارًا مركزية في الشريعة الإسلامية بغية تحرير إرادة الإنسان من ماديات الألوان والكلمات والصور، حيث تتوارى الضرورة الصورية الدفينة للحاجة أمام احتفاظ الإنسان باستقلاله وحريته.
من كتاب: إصلاح المال، للدكتور محمد وفيق زين العابدين.
لقراءة المقدمة والفهرس
لشراء نسخة ورقية
لشراء نسخة إلكترونية

4September 2, 2026 304 2