«لم يكن يظنُّ أنَّ الدهرَ يُهذِّبُ النفوسَ كما تُخلِّصُ النارُ جوهرَ الذهب، فلا تُبقي إلا صفوَه، ولا تدعُ إلا خبثَه. فكلَّما تعاقبت عليه الليالي، ازداد نفاذًا إلى حقائقِ النفوس، وعلم أنَّ الشدائدَ مِحكُّ الطبائع، وأنَّ السرائرَ لا تُعرَفُ في ساعاتِ الرخاء، وإنما تنكشفُ عند تصاريفِ الزمان ونوائبِ الدهر.
فلمَّا أحكمتْه التجارب، خفَّ عن قلبه وِقرُ الأسى، واستغنى بالحكمة عمَّا انقضى، وأيقن أنَّ الكريمَ لا يأسى على فائتٍ أبرمه القضاء، ولا يُخاصمُ الأقدارَ فيما مضى، بل يتخذُ من كلِّ محنةٍ عِبرةً، ومن كلِّ عثرةٍ سبيلًا إلى الرشاد. ثم مضى وقورًا، قد ألبسه الزمانُ هيبةً، وصقلته الحوادثُ رزانةً، حتى غدا أثرُه أبلغَ من قوله، وسيرتُه أنطقَ من اسمه.»






