الأمة بين الأصل والواقع
لم يكن تشبيه النبي ﷺ للأمّة بالجسد الواحد تشبيهًا أدبيًا عابرًا، ولا عبارة وعظية تُساق في مقام التهوين والتسلية، بل كان تأسيسًا لميزان دقيق من موازين الإيمان، وتصويرًا معجزًا لطبيعة الارتباط العضوي الذي يجمع أبناء هذه الأمّة، مهما تباعدت ديارهم، وتفرّقت ألسنتهم، واختلفت ألوانهم..
قال ﷺ: "مَثَلُ المؤمنين في توادِّهِم وتراحمِهم وتعاطُفِهم كمَثَل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
تأمل هذا التصوير النبوي العجيب، وقد قيل في زمنٍ لم يتجاوز فيه تعداد الجسد الإسلامي مائة وخمسين ألفًا.. واليوم قد قارب هذا الجسد من بلوغ الملياريْن!
جسد ضخم عظيم، لكنه يعاني من تفكك أوصاله، وتبعثر جوارحه، بل قد تتألم إحدى جوارحه في فلسطين أو تركستان أو بورما، بينما بقية الجسد غارقٌ في اللهو، مستسلمٌ للغفلة، لا حُمّى ولا سهر!
فما بال هذا الجسد الكبير لم تعد تسري فيه حرارة الحمية والأخوّة؟
أيّ بترٍ روحيّ أصاب هذه الأمّة، حتى فقدت ذلك الرابط العصبيّ الذي كان يجعل الأنين في أقصى الأرض، يُسمع في المدينة، وتسيل له دموع في مكة، وتُشحذ له السيوف من خراسان؟
يا أيها المؤمن... اعلم أن التفاعل مع قضايا إخوانك، ليس نُبلاً اختياريًا، ولا ترفًا وجدانيًا، بل هو من صلب الإيمان، ولبّ العقيدة.
ففي الحديث: "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم".
إن من لوازم الإيمان أن تكون لبنةً في صرح هذه الأمة، وأن لا تتركها هشّة ولا رخوة، بل تسارع في جعلها مشدودة بالأخوة، مؤزّرة بالعقيدة، تقوّي من يضعف، وتشدّ من يترنّح، وتعين من يسقط.
فما قيمة إيمانك إن لم تكن بنيانًا مرصوصًا؟
قال رسول الله ﷺ: "المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدّ بعضه بعضًا"
لقد جاء القرآن يُؤسّس أمّة، لا أفرادًا متنافرين، ولا أقوامًا تتفرّق بهم العصبيات والرايات، بل إخوة في الله، مجتمعين على لا إله إلا الله، متحدين في الولاء والبراء، مترابطين برباط العقيدة لا الجغرافيا..
قال تعالى: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ"، وقال أيضًا: "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ"
تأمل.. ما قال ربك: جيرانٌ لبعض، ولا مواطنون في حلفٍ جغرافي، بل أولياء...
والولاية لا تكون إلا بين أهل الدين الواحد، والمصير الواحد، والعدو الواحد.
فهل سألت نفسك بصدق: أين موقعي من هذه الأمة؟
هل أنا لبنة في البناء، أم ثغرة في الجدار؟
هل أنا شوكة في حلق العدو، أم غفلةٌ في جيب الطغاة؟
هل إن تألم جزء من الأمة، أشعر به كألم اليد أو العين، أم أنني مصاب بتخدير الهزيمة، وضمور الانتماء؟
يا ابن الإسلام...
إن لم تكن الأمة تسكن في قلبك، فلست منها، وإن لم تتألم لجرحها، فاعلم أن قلبك يحتضر!
يا أيها المسلم، ليس في هذا الزمان ترفٌ للاعتزال، ولا رفاهية للحياد..
فإما أن تكون من أبناء هذا الجسد، تذود عنه، وتضمد جراحه، وتنهض بأشلائه... وإما أن تكون سببًا في عِلله، تُطيل أمد مرضه، وتُسلّم أطرافه لعدوه.
هذه هي الأمّة في ميزان الإسلام.. أمّةٌ واحدة، وجسدٌ واحد، وبناءٌ واحد..
فانظر لنفسك.. أين موضعك من هذا البناء؟



