نصَّ جماهيرُ الأصوليِّين على أنَّ تعلُّمَ أصولِ الفقه فرضُ كفايةٍ على… — الكُنَّاشَة — TG.ME

نصَّ جماهيرُ الأصوليِّين على أنَّ تعلُّمَ أصولِ الفقه فرضُ كفايةٍ على عمومِ الأمة، وذلك بالنظر الإجمالي إلى الأمة، لا على كل فردٍ من أفرادها. وممَّن نصَّ على ذلك: الرازي، وابن عقيل، والنووي، وابن تيمية، وصفي الدين الهندي، والجراعي.
ووجهُ القول بكونه فرضَ كفايةٍ: أنَّ معرفةَ حكمِ الله تعالى في الوقائع النازلة بالمكلَّفين واجبة، ولا طريق إلى تحصيلها إلا بهذا العلم؛ إذ لا يتأتى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية على وجهها إلا بمعرفة أصول الاستدلال وقواعده. وما لا يتأدى الواجب المطلق إلا به، وكان مقدورًا للمكلَّف، فهو واجب.
وأمَّا عدم وجوبه على أعيان الناس، بحيث إذا تعلَّمه بعضُهم سقط الإثم عن الباقين، فلأنَّه لا يجب على جميع الناس طلب الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، بل يجوز لهم الاستفتاء فيها، وهذا يدل على أن تحصيل علم أصول الفقه ليس من فروض الأعيان، وإنما هو من فروض الكفايات.
وإيجابُه على الكفاية أيسرُ على الناس؛ لعُسر مطالبة جميع آحاد المسلمين بدراسته والتفرغ له، وإدراك مصطلحاته وتقسيماته وأدلته، وتمييز ما يصلح منها للاستدلال وما لا يصلح. فلو أوجب على كل فردٍ من أفراد الأمة تحصيلُه، للزم من ذلك تكليفُ عموم الناس بما لا يتيسر لهم، مع أن المقصود من هذا العلم إنما هو التمكُّن من معرفة الأحكام الشرعية واستنباطها على الوجه المعتبر.
ومع ذلك، فقد ذكر بعض الأصوليين أنَّ تعلُّم أصول الفقه فرضُ عينٍ على من أراد الاجتهاد، أو استنباط حكمٍ شرعي، أو القيام بالإفتاء، أو المناظرة. وعلَّلوا ذلك بأنَّه إذا لم يعرف الأصول لم يتمكَّن من هذه الأمور، فيتعيَّن عليه حينئذٍ معرفتها.
وهذا في الحقيقة لا يعدو أن يكون خلافًا لفظيًّا؛ لأنَّ القول بكونه فرضَ كفايةٍ محمولٌ على عموم الأمة، وأمَّا القول بكونه فرضَ عينٍ فمحمولٌ على من تصدَّى لمرتبة الاجتهاد، أو للفتيا، أو للمناظرة، ونحو ذلك. فكلُّ قولٍ منهما متوجِّه إلى محلٍّ غير محلِّ الآخر، ولا تعارض بينهما من هذه الجهة.
وعليه، فإنَّ الأصل في تعلُّم علم أصول الفقه أنَّه من فروض الكفايات بالنسبة إلى عموم الأمة، ويتعيَّن في حقِّ من احتاج إليه للقيام بوظيفة الاجتهاد، أو الإفتاء، أو استنباط الأحكام، أو المناظرة فيها؛ إذ لا يمكنه القيام بهذه الوظائف على الوجه الصحيح إلا بتحصيل القدر الذي يتمكَّن به من ذلك.
يُنظر: أصول الفقه، ابن مفلح، (1/17). الذخر الحرير، البعلي، (ص: 60). روضة الطالبين، النووي، (10/224). شرح الكوكب المنير، ابن النجار، (1/47). شرح مختصر أصول الفقه، الجراعي، (1/68). المحصول، الرازي، (1/170-171). المسودة، آل تيمية، (ص: 571). نهاية الوصول، صفي الدين الهندي، (2/773).

#البيان_لمسائل_أصول_الفقه '
Telegram
الكُنَّاشَة
#البيان_لمسائل_أصول_الفقه
❤3
September 5, 2026 456