قَدْ يَسألُ سائلٌ: لماذا موسى عليه السلام؟! ولِماذا لا يكونُ موسى… — عَابِرُونَ وَالدُّنْيَا لَيْسَتْ لَنَا — TG.ME

قَدْ يَسألُ سائلٌ: لماذا موسى عليه السلام؟!
ولِماذا لا يكونُ موسى عليه السلام، وكلُّ لحظةٍ من لحظاتِ حياتِهِ فوقَ حدودِ المنطقِ البشريّ؟!

طفلٌ وُلِدَ محكومًا بالذبح، لأنَّ فرعون رأى رؤيا في منامِه أوَّلها المُعبِّرون بميلادِ طفلٍ في بني إسرائيل يكون زوالُ مُلكِه على يديه.
رؤيا عابرة في ليلِ طاغية، صارتْ مجزرة!
استيقظ فرعونُ مذعورًا، لم يرَ في الرؤيا حلمًا يُنسى مع الصباح، بل خطرًا يُهدِّدُ مُلكه. وما إن انتشر تأويلُها في القصر حتى تحوَّل الخوفُ إلى قرارٍ، وتحوَّل القرارُ إلى دمٍّ!
في لحظةٍ واحدة، صار الأطفالُ أعداءَ الدولة، وصارت مهادُ الأطفال ساحةَ معركة، وصارت السيوفُ تبحثُ عن رُضَّعٍ قيل إنَّهم سيهزُّون أركانَ العرش!
انتشرت العيونُ في الأزقة، وصارت القابلاتُ جسوساتٍ يُبلِّغن عن خطرٍ محتملٍ في الأرحام! ومع ذلك كان القدرُ يُحكم قبضته على المشهد، فما كُتب في السماء كائنٌ لا محالة في الأرض!

وفي لحظةٍ فارقةٍ من لحظاتِ التَّاريخِ التي غيَّرتْ كلَّ شيء، يربطُ اللهُ على قلبِ امرأةٍ نُفساء، لتضعَ رضيعَها في صندوقٍ تتقاذفُه مياهُ النيل، لِتُلقيَه في بيتِ عدوِّه.
كانت لحظةً يتصدَّعُ فيها المنطقُ البشريُّ أمام حكمةِ السماء. فالأمُّ بطبعِها تُخبِّئ طفلَها في صدرِها، وتُغلِقُ عليه الأبوابَ خوفًا من نسمةٍ باردة، فكيف إذا كان الخطرُ سيوفًا تبحثُ عن دمِه؟!

وقفتِ الأمُّ بين خوفين: خوفِ الإبقاءِ وخوفِ الإلقاءِ!
فإن بقي الطِّفلُ في البيتِ أدركتْه السُّيوف، وإن أُلقيَ في النَّهر أدركتْه المخاطر.
فأعدَّتْ صندوقًا صغيرًا، ووضعت فيه طفلَها الذي لم يعرفْ بعدُ من الدُّنيا إلا دفءَ صدرِها. لعلَّ يديها ارتجفتا وهي تُغلِقُ الغطاء، ولعلَّ قلبَها اضطرب حين حملتْه نحو الماء، لكنَّ الإيمانَ حين يسكنُ القلبَ يبدّلُ الخوفَ سكينة.

دفعتِ الصُّندوقَ إلى النيل، ومضى الماءُ لا يعلمُ أنّه يحملُ في جوفِه قصةً ستبقى حيّةً ما بقيَ التَّاريخ!
يمضي الصندوقُ بين الضفافِ لا يضلُّ الطريق، كانتْ يدُ القدرِ تقودُه خطوةً خطوةً إلى المكانِ الذي كُتب له منذ الأزل.
إلى القصر، إلى بيتِ الطاغيةِ نفسِه.
وهكذا يمضي اللهُ تعالى قدره، ينجّي الطفلَ من سيوفِ الطغيان، ثم يضعُه في قلبِ القصرِ الذي صدرَ منه أمرُ القتل!

حياتُه لم تكن سيرةَ رجلٍ عاش أحداثًا عاديَّة، بل سيرةُ قدرٍ تتدخَّلُ فيه العنايةُ الإلهيةُ في كلِّ منعطفٍ تدخُّلًا عجيبًا!
كان موسى عليه السلام سيرةً تمشي على حافةِ المعجزات؛ حياةً تتوالى فيها الأقدارُ العجيبةُ حتى كأنَّ اللهَ أراد أن يقولَ للبشريةِ من خلالِ قصته: إنَّ المستحيلَ في حسابِ الأرض قد يكونُ أيسرَ الأشياءِ في تدبيرِ السماء!

وما أحوجنا في زمنٍ طغتْ فيه المادياتُ، ومدَّتْ أصابعها على عنقِ الإيمان تحاول خنقه، أن نجلسَ في حضرةِ موسى عليه السلام، لا لنعيدَ سردَ الحوادث كوقائعَ تاريخية، أو كمادةٍ قصصية، بل لنقرأها بعينِ الواقع، وننزِّلها على الأحداث، ونربِّتَ بها على قلوبنا!
فاللهمَّ بكَ أصولُ، وبكَ أجولُ، وبكَ أُحاولُ!
❤2👍1
August 31, 2026 73 1