يا رب…
لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله؛ علانيته وسره.
﴿الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا﴾.
أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء.
سبوح قدوس، رب الملائكة والروح.
سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة.
يا رب…
أثني عليك، وكل ثنائي قاصر عن بلوغ ما أنت أهله؛ وأحمدك، وما حمدي إلا نعمة أخرى تستحق الحمد.
لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
لك الحمد على ما أعطيت، ولك الحمد على ما منعت، ولك الحمد على ما قربت وما أبعدت، ولك الحمد على ما علمت من لطفك وما غاب عني.
كم من نعمة أجريتها إلي ولم أسألك، وكم من بلاء صرفته عني ولم أعلم به، وكم من ستر أرخيته على تقصيري، وكم من باب أغلقته رحمة بي وأنا أحسب إغلاقه حرمانا.
يا كريم…
إن شكرتك فبتوفيقك، وإن ذكرتك فبإذنك، وإن وقفت بين يديك فبرحمتك؛ فما ابتدأت خيرا من نفسي، وما انتهيت إلى طاعة إلا بمعونتك.
يا رب…
أنت الغني وأنا الفقير، أنت القوي وأنا الضعيف، أنت العزيز وأنا الذليل بين يديك، أنت القادر وأنا العاجز، وأنت الحي القيوم الذي يقوم به كل شيء.
صدقت وقولك الحق: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾.
وأنا يا رب واحد من هؤلاء الفقراء؛ فقير إليك في كل نفس، فقير إلى هداك إن تحيرت، وإلى قوتك إن ضعفت، وإلى عفوك إن أذنبت، وإلى سترك إن انكسرت، وإلى رزقك إن افتقرت، وإلى شفائك إن مرضت، وإلى أنسك إن أوحشتني الدنيا.
فقري إليك لا ينتهي بقضاء حاجة، ولا يزول بزوال شدة؛ لأنني لا أستغني عنك طرفة عين، ولا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شئت.
رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير.
جئتك وقد نفدت حيلتي، ووهنت قوتي، واضطرب تدبيري، وانقطعت ثقتي بكل باب إلا بابك.
جئتك لا بعمل أدل به عليك، ولا باستحقاق أطالبك به، ولكن بفقري الذي تعرفه، وضعفي الذي تراه، وحاجتي التي لا تخفى عليك.
جئتك بذنوب أثقلت ظهري، وبقلب أرهقته الغفلة، وبنفس إن وكلتني إليها أضاعتني.
اللهم رحمتك أرجو؛ فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت.
يا رب…
إن نظرت إلى عملي خفت، وإن نظرت إلى رحمتك رجوت؛ وإن تذكرت تقصيري انكسر قلبي، وإن تذكرت كرمك عاد إليه الأمل.
فلا تجعل خوفي منك قنوطا، ولا رجائي فيك غرورا؛ ارزقني خوفا يردني إليك، ورجاء يحملني على حسن العمل، وقلبا يعرف تقصيره ولا ييأس من رحمتك.
يا قريب…
أنت الذي لم تجعل بينك وبين دعاء عبدك حجابا، وقلت: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾.
وها أنا أدعوك…
لا لأن صوتي حسن، ولا لأن دعائي بليغ، ولكن لأنك ربي، ولأنني عبدك، ولأن المضطر إذا انقطعت به الأسباب لم يجد إلاك.
وأنت القائل: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء﴾.
وأنا مضطر إلى رحمتك، وإن لم ير الناس اضطراري؛ مضطر إلى جبرك، وإلى عفوك، وإلى هداك، وإلى لطفك الخفي.
يا رب…
ما رفعت يدي إليك اعتمادا على حسن سؤالي، ولكن اعتمادا على سعة عطائك.
وما رجوتك لبراءتي من الذنب، ولكن لأنك الغفور الرحيم.
وما أحسنت الظن بك غفلة عن تقصيري، ولكن علما بأن رحمتك أوسع من ذنبي، وأن فضلك أعظم من عملي، وأنك لا تخيب من أقبل عليك تائبا صادقا.
إن أعطيتني فبفضلك، وإن منعتني فبحكمتك، وإن أخرت عني ما سألت فلا تؤخر عني سكينتك ولطفك وحسن الظن بك.
لا تجعل تأخر الإجابة يقطعني عن بابك، ولا تجعل طول البلاء ينسيني جميل أقدارك، ولا تجعل عيني تقف عند الأسباب وتغفل عن مسببها.
يا رب…
أسألك سؤال من أقر لك بالعبودية، واعترف لك بالتقصير، وخلع بين يديك حوله وقوته.
أسألك وأنا منكسر، لكنني بك مستبشر؛ خائف من ذنبي، لكنني راج عفوك؛ قليل العمل، لكنني أطمع في واسع فضلك.
فلا تردني إلى نفسي، ولا تتركني لحيرتي، ولا تحرمني لضعفي؛ بل ارحم ضعفي، واجبر كسري، وتول أمري، واختر لي، ودبرني بأحسن تدبيرك.
هب لي من رحمتك ما يغنيني، ومن نورك ما يهديني، ومن لطفك ما يكفيني، ومن اليقين بك ما يهون علي كل عسير.
واجعل قلبي معلقا بك وحدك؛ إذا أعطي شكر، وإذا منع صبر، وإذا أذنب استغفر، وإذا ضل رجع، وإذا انكسر لم يطلب جبره إلا منك.
يا رب…
أنا عبدك الفقير، واقف بباب رحمتك، لا أحسن الانصراف عنه، ولا أملك لي بابا سواه.
فإن لم ترحمني فمن يرحمني؟ وإن لم تجبرني فمن يجبرني؟ وإن لم تهدني فمن يهديني؟ وإن لم تتولني فمن لي سواك؟
لا إله إلا أنت، سبحانك؛ إليك فزعي، وعليك توكلي، وبك رجائي، وفيك حسن ظني.
ولك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، والحمد لله رب العالمين.
