هكذا علّمتني الحياة
اصنع حولك هالة من المهابة التي تليق بك كطبيب بيطريّ…
ولا تسمح لأحد من زبائنك اختراق هذه الهالة مهما كان السّبب…
إذ ليس المقصود منها التكبّر والتّعالي على الآخرين، وإنّما القصد المحافظة على كينونتك ووقارك واحترامك، وهي الصّفات التي لازمت الطّبيب منذ العصور القديمة وحتّى الآن.
ستفقد جزءا كبيرا من شخصيّتك ومن كينونتك فيما لو سمحت للمربين بمناداتك باسمك المجرّد من غير أن يسبقوه بلقبك العلمي…
وهذا حقّك الطّبيعيّ، فأنت طبيبٌ فعلا، لستَ مدرّسا، ولا مهندساً، ولا عرّافا ولا مشعوذا ولا مدلّسا..
أنت أولى بهذا اللّقب من الممرّضين البيطرييّن الذين يسبقون أسماءهم بحرف الدال تدليسا وكذبا !
صحيح أنّ الألقاب أدوات لنفخ الذّات، ولكن هذا بينكَ وبين نفسك، أمّا بينك وبين الآخرين فتمسّك بها ولا تتنازل عنها أبدا، فهي كلمة السّر التي ترتقي بك وتميّزك عن مدّعي المهنة، وإن إسقاطها يعني كسر تلك الهالة الافتراضيّة سابقة الذّكر .
فكّر جيّدا فيما سأقول جيداً:
لا تدّعي بأنك طبيب قبل أن تكون كذلك فعلا…
لا يمكن للتّلميذ أن يكون معلما… هذا بديهيّ ، إذ هو الوعاء الفارغ، ومعلّمه الوعاء الممتلئ..!
لا يمكن لك أن تنطق بالحكمة قبل أن تتشرّبها وتتراكم في داخل كما يتراكم الماء في الوعاء، وهذا لا يكون إلا في آخر العمر، بعد أن تكون الشّمس قد شارفت على المغيب…
ستصبح معلّما، لكن بعد أن تكون تلميذا مريداً…
فلا بدّ من المرور بمراحل الاحتراق كافّة حتّى تصبح جذوة متّقدة.
ولكن يمكنك تجاوز هذه المرحلة فيما لو قيّض الله لك معلما مخلصا يعطيك عصارة خبرته، وكنت في الوقت ذاته راغبا في أن تكون معلِّما.
فالذي يسير بلا مرشد سيستغرق ثلاث سنوات في طريق لا يحتاج أكثر من ثلاثة أيّام كما قال جلال الدّين الرّوميّ…
وإلا فعليك أن لا تحرق المراحل بشكل عبثيّ حتّى لا تخسر فرصتك في الحياة.
وأنت أيّها المعلم:
تذكّر هذه الكلمات التي قالها عبد الوهاب مطاوع:
إن أطهر النّفوس هي النّفس التي اختبرت الألم، فرغبت أن تجنّب الآخرين مرارته…!
ستفقد الكثير من كينونتك ومن ذاتك ومن هيبتك فيما لو تنازلت عن حقّ من حقوقك في الحصول على الأجر الذي تستحقّ، مع مراعاة الحالة المادّيّة للمربّي الفقير…
تصدّق عليه ببعض وقتك وبعملك وحتّى ببعض مالك ثمّ غادر بسرعة قبل أن ترى الانكسار في عينيه .
وفي النّهاية هذا رصيد لك عند الله وعند الناس، فربّ دعوة صادقة منهم تدفع عنك وعن أحبابك الكثير من البلاء.
ستفقد الكثير من هيبتك ومن احترامك فيما لو أهملتَ الجانب الأخلاقيّ في داخلك…
أنت تدخل بيوت النّاس، في أوقات النّهار المختلفة، وأحيانا في غياب الرّجل، فاحفظ عيونك وجوارحك عن أعراض النّاس…
وفي طريقك إلى الحيوان المريض امشِ أمام المرأة لا خلفها، وساعدها في السّيطرة على الحيوان، ثمّ غادر فورا بعد انتهاء عملك، ولا تجلس في بيتٍ ليس فيه رجل.
ستفقد الكثير من هيبتك ومن كينونتك فيما لو أهملت الاهتمام بمظهرك وبأناقتك وبنظافة أدواتك، فعين المربي تراقب وتلتقط الصور، صور لأدق التفاصيل، في شكلك، في أدواتك، في كلماتك… وسينتقدك في غيابك كلما جاء ذكرك . فـ (انطر قفاك)…
ستفقد الكثير من الاحترام والتّبجيل فيما لو انتقدتَ زملاءك وتحدّثت عمّا يسوؤهم في غيابهم، لا تنتقدهم، ولا تسمح للمربّي أن ينتقدهم…
فهم مرآتك، ونسخة مهنيّة عن ذاتك.
الحياة لعبة توازن بين الواقع الذي يفرض نفسه، وبين ما يجب أن يكون، فاحرص على توازن كفّتي الميزان، ولا تجعل إحداهما ترجح على الأخرى…
لقد علمتنا الحياة دروسا، ولكنها في المقابل قضمت أعمارنا ...!
د عبد الباسط واكيه





