وأمّا الاحتفال، فإلى أيّ أصل يستند؟ ليس معهم إلّا العمومات، والمُطلقات.
طيب، العمومات والمُطلقات لو اعتمدنا عليها، بدون تفصِيل، أو تخصِيص، أو تقييد؛ فهذه هي البدع! البدع تأتي من هذا الجانِب.
ومن الأمور المهمّة -أيضًا، وهذا من التأصِيل، يعني أنسِيت أن أذكره في التأصيل-؛ أن الترك الذي يكون مقصودًا من النبي ﷺ؛ تشريع، التشريع عندنا ينقسِم إلى قِسمين: تشريع بالفعل، وتشريع بالترك (٧)، فالنبي ﷺ إذا ترك أمرًا؛ فهذا تشريع، وهذا تشريع للأمّة أن يتركوه كما تركه، تمام؟ إذا كان هذا الترك مقصودًا.
نمثّل -دائمًا- بالأذان للعِيدَين، ليس عندنا إلا عدم الأذان، ليس هناك نهي عن الأذان، وهذا ردٌّ على شبهة أخرى لهم؛ يقولون: الترك ليس دليلًا ما لم يأت معه قرينة، الترك، مُجرّد الترك ليس دليلًا إلّا أن تأتي معه قرينة النهي، أو ما أشبه ذلِك، ويذكرون كلام الأصوليين، وما أشبه ذلِك، فنقول: طيب، هذا نتفق معكم عليه، الترك المُجرّد ليس بدليل ما لم تقترن به القرينة، طيب، القرينة هنا أنّ عصر النبوّة مضى، وعصر السّلف الصالح مصى دون احتِفال بمولد النبي ﷺ! فهذه قرينة تدلّ على أنّ الترك مقصود.
فنرجع إلى الكلام؛ الأذان في العِيد تُرِك تركًا مقصودًا، وليس معنا إلا الترك، يعني ليس هناك حديث: «لا تؤذنوا في العِيد»، هذا غير موجود، إنّما عندنا حديث جابر أنه لم يكن يُنادى للعِيد بأذان ولا نداء ولا شيء (٨)، تمام؟ إذا ليس معنا إلا الترك.
مثال آخر: عِندنا في الحج هناك ركعتان، أو في المناسِك عموما، حج أو عمرة، هناك ركعتان تصلّيان بعد الطّواف، صحِيح؟ ركعتا الطّواف، طيب، هل هناك ركعتان بعد السّعي؟ في ولا ما في؟ ما في، ليس هناك ركعتان بعد السّعي، طيب، هل يجوز لأحد أن يقول هذا لم ينه عنه النبي ﷺ، فأنا أفعله؟! لو فعل هذا؛ لكان مبتدعا، باتفاقنا جميعًا، المفروض أن يتّفقوا معنا في هذا الأمر، إن كانوا يُخالِفون؛ فالله المُستعان، لكن المُفترَض أن نكون -جميعًا- متّفِقين على هذه المسألة، فهذه مسألة لا تصحّ، هذه عِبادة لا تصحّ، مع أنّ الصلاة مندوب إليها، وعمل فاضل، وعمل حسن، وليس عندنا نهي في هذه المسألة، ومع ذلِك لا يجوز فعل هذه العِبادة؛ لأنّها لم ترد عن النبيّ ﷺ.
إذن هناك أمور تترك -قصدًا- مع وجود مُقتضِيها، وانتفاء مانِعها، فهذا يكون الترك فيه سنّة، كما أنّ الفِعل سنّة.
وهذا يُفرّق فيه بين الترك وبين المصلحة المُرسلة، ولا نريد أن نتكلم في هذا حتى لا نخرج عن المقام، وهذا من جهلهم، يقولون: الاحتفال بالمولد، كمثل تدوين كتب العلم، وكِتابة الحديث، وبناء المدارس، فهذا خلط؛ هناك فرق بين البدعة وبين المصالح المُرسلة، وتفصِيل هذا؛ ليس محلّه الآن، تمام؟
إذن عِندنا الآن: قضيّة الترك، أن هذا أمر تركه النبيّ ﷺ، ولو كان خيرًا أو شريعة؛ لدعا الأمّة إليه، أو -على الأقل- كان السّلف قد فعلوه، ولم يقع شيء من ذلِك، والترك هنا؛ ترك مقصود، فلا بُدّ أن يتَّبَع، والذي يفعله السلف هو استناد إلى أصل شرعي يُقاس عليه كفعل مالك، رحمه الله، في التجمّل لمجالس العلم، هذا واستندوا إليه بالقِياس، على الجمعة، والعِيد، المهم أن هناك أصلًا شرعيًا يُمكِن أن ترجع إليه، وأمّا الشيء إذا كان متروكًا تركًا مقصودًا؛ فالأمر في هذه الحالة يختلف.
فهذا رد عام على شبهة المحتفلين بالمولد، إن شاء الله تعالى يكون كافيا لأن لهم من آحاد الشبهات شيئا كثيرًا، لكن أرجو -إن شاء الله تعالى- أن يكون هذا كافيًا، لأن الوقت لا يسمح لتتبع الشبهات، فهذا إن شاء الله تعالى أرجو أن يكون كافيًا، مع التأصِيل الذي قدّمت به، ونسأل الله الهِداية والثبات، وصلى الله وسلّم على نبيّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعِين».
🔈 من سلسلة: التأصيلات والنصائح وكشف الشبهات والقبائِح: «76- الاحتفال بالمولد النبوي تأصيل عام وكشف عام للشبهات».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١). عن عبد الله بن عمرو، رضي الله عنها، أن رسول الله ﷺ قال: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم». رواه مُسلم (١٨٤٤).
(٢). قال تعالى: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ یَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَـٰفِرِینَ﴾ [المائدة ٦٧]، قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحِمه الله: «هذا أمر من الله لرسوله محمد ﷺ بأعظم الأوامر وأجلها، وهو التبليغ لما أنزل الله إليه، ويدخل في هذا كل أمر تلقته الأمة عنه ﷺ من العقائد والأعمال والأقوال، والأحكام الشرعية والمطالب الإلهية. فبلغ ﷺ أكمل تبليغ، ودعا وأنذر، وبشر ويسر، وعلم الجهال الأميين حتى صاروا من العلماء الربانيين، وبلغ بقوله وفعله وكتبه ورسله.
September 12, 2024 1.8K 4