في إحدى الليالي أخبرت أبي بأنني أحبه، فقال إنه يحبني أيضًا، فأخبرته بأنني أحبه أكثر، فأقسم لي أنه يحبني أكثر من أي شخص في هذه الدنيا، كان حدثًا وجدانيًا، كسرته ذكرى مفجعة راودتني حينما كنتُ راسبًا في إحدى المواد فقال لوالدتي أنه يتمنى أن يراني ناجحًا قبل أن يموت، خضت امتحانًا آخر في هذه المادة ونجحت وكان أبي فرحًا بي، لكن فرحته لم تدم طويلًا، لقد تدهورت صحته واختلّت سلامته، في يومها شاهدت دمًا في المغسلة القريبة من غرفتي، علمت أنه دم أبي، راقبت المغسلة لأراه وهو يبصق فيها دمًا، أحسست بضيق في صدري عندما رأيت ذلك، لاحقًا أتى أبي وأخبرني أن أتصل على طبيب الأذن والأنف والحنجرة فاتصلت به وعلمت أنها بداية النهاية.
فقبل أن يغمى على أبي ويسقط مغشيًا كان قد شرب من الدواء الذي وصفه له هذا الطبيب، هل حقق أبي حلمه بأن يراني ناجحًا ليرحل بهذه السرعة؟ لكنه لم يقل أنه سيموت؟ لم يقل أحد أنه سيموت.
دخل أبي المستشفى وبقي راقدًا فيها أيامًا عديدة، كنت لا أطفئ الضوء في غرفة رقوده أبدًا لأنني قد أطفأته مرة فصرخ أبي: "حسين حسين حسين" فأشعلته سريعًا، فقال: "حسين رادوا ياخذوني"، لا أعلم من هم لكنني أعلم مقدار الرعب الذي كان يعيشه الأب المسكين، مع ذلك فأنا كنت متيقنًا أنهم لن يأخذوه، فقد وعدني، بأنه لن يتركني، أظن أنه لم يفعل، فهو دائمًا يفي بوعوده.
حسنًا، أنا أتفق مع من يقول أن وقعة أبي على رأسه كانت قوية، لأنه لم يتمكن من تذكّرنا بشكل جيد بعدها، لكنني لا أتفق مع من يقول أنها مميتة، فقد ينجو منها الكثيرون وأبي أحدهم، هو أحد الناجين منها، أنا لا أعلم ما بال أمي وأختي، يبكين على أبي كما تبكي النسوة على الراحلين، أبي لم يرحل هو قال لي أنه لن يرحل. حتى أحبابه الذين اجتمعوا حوله حين سقط مغشيًا عليه، كلما ذكروه ترحموا عليه، الرحمة تجوز على الحيّ والميّت، أعتقد أنهم يترحمون عليه لأنهم يحبونه لا أكثر، لا لأنه راحل، حتى الطبيب الذي عالج أبي، صرت طالبًا عنده وهو يعاملني كما يعامل اليتامى، لست بيتيم! أخبره بهذا في كل مرة ونضحك بعدها ثم أغرق في حيرتي متسائلًا: هل أنا يتيم؟، هل أصدق الناس أم أصدق أبي؟ أنا لا أصدق إلا بأبي، وهو لم يرحل لأنه قال ذلك..... يُتبع.
ضع لنا ❤️ إن أعجبك المحتوى، شاركه لمن تحب، ولا تنس أن تكتب لنا رأيك في تعليق.
كن معنا بين دفتيّ كتاب.
انضم إلى فريقنا.
#مجلة_الطالب_السومري


