هل تتذكر يا أبتي حينما تعود من العمل وتطلب مني أن أخلع لك قميصك وبنطالك، وعندما أخلع حذاءك وجواريبك لأقبل قدميك فتخبرني بأن لا أكرر هذا مرة أخرى، وأنا أكرره في كل مرة؟ أبي هل تذكر حينما أخبرتني عن أنني لا يجب أن أسكت على الظلم؟ هل تذكر حينما استخدمت سماعتي الطبية لأول مرة عليك فوضعتها على جهة صدرك اليمنى فضحكت وقلت لي: " لا هاهية خوش بداية". أبي، هل تسمعني؟ هل أنت هنا؟
انظر إلى منزلنا -البيت ذو الطابقين، بواجهته الواسعة المصبوغة حديثًا بصبغ أبيض تتخلله خطوط مائلة ونقشات ذهبية متفرقة- قبل أن ترحل كانت حديقتنا مليئة بزهور ورد الجوريّ ومتسلق المرجان البرتقالي، وشجرة النخيل التي كانت تملأ الأرض بثمارها، أما أشجار الزيتون العملاقة فإنها أخذت تظلل على الحديقة بأوراقها وثمارها، شجرة التوت الذي زرعناه أنا وأنت، كبرت أمامك وصارت كأنها مزهرية خضراء، لقد أحببتَها، ثمارها طيبة الطعم لدرجة لا توصف، كان الهواء يتجول في فناء المنزل يحمل نسيمًا باردًا، إلى داخل المنزل الذي تمتلأ حجراته بالهواء والإضاءة الطبيعيين، تعمّ منزلنا نداءات العائلة وأصوات مزاحهم، لا سيما في العيد فإنني بالكاد أفهم شيئًا من الذي أسمعه فالضحكات كثيرة وعالية وأصحابها سعداء مندمجين في الحديث، لا يفكرون في الغد ولا الأمس، يبتسمون كثيرًا، إذا جلسنا على الغداء نشعر أن وجبتنا هذه تكفينا لكل عمرنا، قلوبنا تفيض بالمودة، وكان هذا كافيًا لنا. لكنّك بعد أن اختفيت، لم يعد أي شيء كما كان، صار المنزل مظلمًا، هادئًا، لم يعد يزورنا الأحباب، ذبلت الأشجار بعد أن لم تجد من يهتم به، احتاج صبغ المنزل إلى تجديد، سقط اللون الأبيض منه وخرجت الطبقة الاسمنتية الداكنة خلفه، بيتنا صار تعيسًا.
أبي، دعني أخبرنك بسر لا تعلمه عني، لقد كنت ألقن نفسي في كل وقت بأنني لا أريد أن أكون مثلك، وعندما ألاحظ نفسي الآن، أراني نسخة منك. يا أبي انطق بكلمة لماذا أنت ساكت؟..... يُتبع.
ضع لنا ❤️ إن أعجبك المحتوى، شاركه لمن تحب، ولا تنس أن تكتب لنا رأيك في تعليق.
كن معنا بين دفتيّ كتاب.
انضم إلى فريقنا.
#مجلة_الطالب_السومري
