لقد سرقت من أبي، كطفل صغير في مراحل دراسته الابتدائية، لم أكن محتاجًا لما أخذت منه، ربما كنت طامعًا في ما لديه، أو لعلّي أردت خوض هذه التجربة للمرة الأولى، أدركت أن لديّ مهارة في الاستخبارات عن تحركات العائلة وأوقات غفلتهم عني، ربما كنت سأصبح شرطيًا لولا رغبة والديّ في دراسة الطب، فقد كان لدي الكثير من الحس الأمنيّ، على الرغم من أنني كنت وحيدًا إلا أنني كنت أراقب المكان قبل وبعد السرقة، ويا له من شعور حينما تقبض على فريستك لأول مرة في حياتك، مددت يدي إلى جيب بنطلونه المعلّق، أزحت المفاتيح عن طريقي، كان هدفي واضحًا: المحفظة، لسوء الحظ لا يمكنني أن أرى ما في جيبه لقصر قامتي، أنا معتمد على يدي لتلمس الهدف وعيناي لمراقبة خلوّ الطريق، جهزت حجّة مسبقة إن اكتشفوني: أنا ألعب، لا شيء سوى ذلك! كم أنها حجة بسيطة، لكنها كانت بالنسبة لي جزءًا من خطة متكاملة، انتباه انتباه، جسمي يقشعر، قلبي يدق، أسمع صوت شهيقي، أشعر أنني خفيف أكثر من اللازم، شعر جسمي منتصب، يدي تلمس شيئأ أملسًا، منفوخًا، ممتلئًا، صلبًا مربع الشكل! إنها هي: المحفظة.
تمكنت من الوصول إلى الهدف وقبضت على مبالغ كبيرة، ألف دينار وألفين، خمس آلاف، كانت ثروة كبيرة بالنسبة لي، أحسست بشعور غريب في داخلي كأنه خليط من الخوف والحماس، نشوة الانتصار وقلق الهزيمة، ربما سوف يُفتضح أمري، لا أدري، لأكمل ما جئت إليه، أخذت كل ما وصلت إليه أناملي الصغيرة التي تلطخت بدرن السرقة، ورقة مالية صفراء من هناك ومن هنا فضية ومن هناك خضراء، صار لديّ ستة عشر ألف دينار! آه ما أكثره، سأقضي عطلتي الصيفية كلها بهذا المال!
أغلقت المحفظة، ورميتها رميًا في جيب البنطلون وخرجت مسرعًا، مخبئًا المال في يديّ قابضًا عليه بشدة، صعدت إلى غرفتي كأنّ شيئًا لم يكن، لم يمرّ من الوقت سوى ساعتين حتى عاد والدي إلى المنزل، ماذا إن اكتشفني؟ هل سيضربني؟ يستخدم العصا أم يكتفي بيده؟ هل سيضربني حدّ الانتقام؟ إن سألني عن السبب فمالذي أقوله؟ أعترف له؟ أتخلص من المبلغ قبل أن يكتشفني؟
متعة المعصية عمرها ساعتين، قطع حبل أفكاري مقص النداء: "حسين" فأدركت ما ينتظرني، "ها يابا"، "هاي شمسوي"، "شمسوي؟ كلشي ما مسوي"، لقد اكتشف أمري، مصيبة نزلت على رأسي، أو هي صفعة نزلت على خدي، لا أدري، كنت خائفًا فقط، أدرك أبي النقص في ماله وجعلني آخر المتهمين، كان يظن بيّ الخير، تعب على تربيتي وتعليمي، ربما سيضربني ضربًا يكافئ إحباطه الشديد مني، سوف يركلني، ثم يحملني بيديه ويسقطني على الأرض، صفعات متوالية على مؤخرة رقبتي وخديّ الأيمن، سوف يسدد لكمة مستقيمة إلى وجهي، يلحقها بصاق وشتم، أنا أرتجف، لا يستحق الأطفال أي شيء من هذا، سامحني يا أبي، هكذا انفصلت عن الواقع ثم عدت إليه فوجدت أبي ضاحكًا من فعلتي مبتسمًا لا يملُّ أن يعلمني للمرة الألف أن السرقة حرام، إنها شيء خاطئ، لم يفعل لي أي شيء، لأول مرة في حياتي أدركت شعور الامتنان لأنه أبي..... يُتبع.
ضع لنا ❤️ إن أعجبك المحتوى، شاركه لمن تحب، ولا تنس أن تكتب لنا رأيك في تعليق.
كن معنا بين دفتيّ كتاب.
انضم إلى فريقنا.
#مجلة_الطالب_السومري
