مجلة الطالب السومري: post #819 — TG.ME

كأنّ أبي قد حجز مقعدًا في ذاكرتي لا يمتلئ إلا به، ذكرياتي معه لا تفارقني، أذكر مواقفي معه مذ كنت طفلًا دون سن السادسة حتى بلغت العشرين!
أتذكر في إحدى سنوات ما قبل الدراسة أنني كنت أحب اللعب دومًا وأنا مستلقٍ على ظهري بعد العشاء، كانت هذه متعتي القصوى، ثم وبدون أن أملك القرار، أرى النوم يأخذني إلى عالمه، لا أدرك متى ذهبت وإلى أين ذهبت، لا تملك نفسي حرية الرفض، فالنوم سلطان كما قيل، أنام في بعض الأحيان في أماكن لم تُخصص للنوم، نمت في المطبخ عدة مرات، وفي كل مرة أستيقظ فيها، أجد نفسي في مكان هادئ، وسادة ناعمة، وفراش دافئ، أتعجب من ذلك، ألوم عقلي الذي يُخيل لي أنني نمت في غير هذا المكان، وأساله: "إن لم تنم هنا فمن جاء بك هنا؟ اسكت يا متوهّم".
لاحقًا عندما كبرت، وتكرر الموقف كثيرًا، سألت أبي: "هل المشي في الليل أمر طبيعي؟"، أجابني: "بعض الناس يفعلونه"، "هل أنا أفعله" هكذا قلت له بنبرة طفل في السادسة من عمره يتفجر فضولًا ليكتشف الحياة.
ابتسم ودفع نظارته باتجاه عينيه، لم يستعجل الإجابة ونظر إليّ نظرة محبٍ متأمل، ثم قال: "ولمَ تسأل؟"، "لا أدري"، "أخبرني يا حبيبي".
"أبي أنا في الأمس نمت في المطبخ، واستيقظت في غرفتي، كيف تغيّر المكان عليّ؟، هذا الأمر أصبح يثير قلقي، هل ما سمعته عن جنيّة الأحلام صحيح؟ أحقًا أنها تأكل من ينام في المطبخ!؟" رد والدي مبتسمًا، ممسكًا بيدي وهو يمسح عليها بهدوء بيديه الناعمتين: "ومن أخبرك بهذا؟"، "ماما"، هزّ رأسه يمينًا وشمالًا، بسط يديه مبديًا راحة كفيّه، أسدل جفونه قليلًا -ما أجمله- ثم قال: "آه من أمك، كم أنها تحب النظام، ثم ماذا؟ وإن نام الأطفال في المطبخ، لا تهوّلي الأمر يا سيدة".
فهمت من إجابته أنه ينفي كلام والدتي حول الجنيّة، إذن من ينقلني من مكاني؟ وجهّت إليه ذات السؤال الذي راودني، فقال: "احزر"، فقلت: "أمي؟"، قال: "كلا"، "إذن أختي"، "كلا"، حرك رأسه نافيًا، "أنت قل لي من؟" أخبرته بصوت طفل متضجر لا يحتمل الصبر.
فقال: "أنا أحملك بهدوء، مرتبًا فراشك أولًا، ساندك إلى صدري، وبيد تمسك رأسك وأخرى تسند جسمك كي لا يقع، أحملك بخفّة، وأنظر إليك نظرة أخيرة قبل أن أغلق الباب وأخرج". "وأنا نائم؟"، "نعم يا بنيّ، وأنت نائم تحلم بالجنيّة" فضحك وضحكت معه، ضحكت مجاملة، لأنني لم أشعر بقيمة ما يفعله، فأنا طفل صغير، حياتي منصبّة نحو اللعب، أريد أن أخرج في الصباح وقبل الغروب لألهو مع أطفال المحلّة، ولا شيء دون ذلك، لم أعرف مقدار اهتمامه بي إلى أن كبرت وسمعت من والدتي أنه لم يكتف بتغيير مكاني، بل كان يسهر من أجلي لأنني لا أنام إلا ممسكًا بيده، وحالما يتركني أستيقظ سريعًا، فيبقى معي ساعة أو ساعتين حتى أغط في النوم فيتركني ويده محمّرة متنملة، وقد كنت أخشى صوت الرعد فكان يراقب الأجواء ليلًا كلما رأى قطرات المطر تهز تماسك الهواء حمل فراشه وجاء لينام إلى جانبي، فأفزع مرعوبًا من الرعد فيعيدني مطمئنًا لأكمل نومي، لن يحتمل أحد أن يترك ساعات راحته من أجل طفل صغير يتلوّى لسبب بسيط، إلا أبي، فقد أخبرتني أختي أن والدي كان يضع منشفة باردة على جبيني عندما أصاب بالحمى ويظلّ يبللها كلما جفّت، وفي كل ليلة كنت ألمح شريطًا من الضوء أسفل باب غرفتي فأظن أن أبي يقرأ أو يتصفح الجريدة، حتى اكتشفت أنه كان لا يوافي النوم إلا بعد أن يتأكد من نومي. صرت أشتاق إليه في كل ليلة، حتى لو أنه لم يبتعد ولم يسافر، حتى لو كان نائمًا في الغرفة المجاورة، أشعر باشتياق إليه، أريد أن أتحدث معه، أندم على عدم قضاء كل وقتي معه، أتمنى لو يستيقظ ونتسامر، افتقدت شريط الضوء أسفل الباب، ارتبط الليل عندي بالفقدان، أعتقد أنّ الليل مخيف لي بكل تفاصيله..... يُتبع.

ضع لنا ❤️ إن أعجبك المحتوى، شاركه لمن تحب، ولا تنس أن تكتب لنا رأيك في تعليق.

كن معنا بين دفتيّ كتاب.
انضم إلى فريقنا.

#مجلة_الطالب_السومري
❤11😢1
July 26, 2026 279 1