فلم أتمالك نفسي وانطلقت كالسهم إليه لم أكترث لملابس النوم التي أرتديها ولم أفكر في غسل وجهي حتى، كانت عيناي مفتوحتان بأوسع زواياهما، ربما لأنّي خائف؟، كدت أن أقع وأنا أنزل الدرج لسرعتي الشديدة، وليتني لم أنزل فقد وجدت منظرًا أرعبني، كأنني لأول مرة أشعر أن لدي قلبًا -لعل أذناي صارت تلتقط أصوات دقاته، كان ينبض بقوة- رأيت أبي واقعًا على الأرض، مغشيًا عليه، أحاط به أحبابه من كل الاتجاهات، بعضهم يأخذ الماء بيده ويضعه على وجه أبي، وبعضهم يحاول أن يتصل بالاسعاف، بعضهم يقول لا تخافوا فإنّه سينهض الآن، بعضهم يتفرج مصدومًا وآخر متسائلًا، أمّا أنا -الحسين طارق، ابنه وصديقه، بل حبيبه- كنت لا أدري ماذا أفعل؟ وقفت كالعاجز على رأس أبي، متأملًا أن ينهض ويبتسم لي كما يفعل دومًا، سرحت في خيالي، انقطعت الأصوات من حولي وكأننا بقينا وحدنا معًا، سمعته يناديني "حسوني لا تخاف بابا هسة أكوم" ابتسمت، نزلت دمعة على خدي فأيقظتني، لا يزال الناس حول أبي الملقى على الأرض، لقد كان حلمًا مر سريعًا، وصلت سيارة الإسعاف بصوتها العالي والمتناسق، اجتمع الكل على حمل أبي، كل منهم يحمل قصة معه، قصة لا يمكن أن تموت، أدخلناه سيارة الإسعاف وجلست بجانبه، أنظر إليه نظرة اليأس الممزوج بالأمل، نظرة المستحيل، نظرة تخلخلت معها الدموع، فجأة وخلال لحظة واحدة مرت كالبرق على أذني، سمعت همهمة منه، فإذا به يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله"، ثم خفت الصوت واختفى، أحسست بأني قلبي سيتوقف، كان العَرق يتصبب مني بلا انقطاع، أبي، ليتك تنظر إليّ، ذبل جسمي وضعف عزمي وانقطع حلمي، ألم تخبرني أنك لن ترحل؟ ألم تخبرني أنك ستزورني في عيادتي وكنت تمازحني بأنك لن تدفع ثمن الدخول بل ستقول لهم أنا أبو الدكتور، ألم تخبر أمي أنك ستبقى سندًا لها ولنا، أبي تعال أخبرني عن أختيّ من سيكون لهن بعدك؟
دخل أبي إلى صالة الطوارئ، مع ابنه الخائف، استغرق إجراء الفحوصات الطبية بعض الوقت وتناوب الأطباء علينا، واحدًا بعد واحد، بزيّهم الأبيض اللامع الذي اعتدت على مشاهدته، جرت الأدوية في جسم أبي، ومر الوقت وبدأ الجهاز فوق رأسه يرفع أصواته الطنانة، "طن طن طن"، كنت أنظر إلى عينيه منتظرًا فُرجة منهما، لكي أقول أنه لا زال حيًا، جاء الطبيب ليكلمه: "طارق، طارق" تحرّك رأسه قليلًا، صدره يصعد وينزل بانتظام، لمسته بيدي، وفجأة، صدمني، فتح عيناه وما أجملهما، نظر إليّ وابتسم -حتى بهذه الحالة الصعبة لم تفارق مُحيّاه الابتسامة-، استيقظ أبي وكأنّ الروح بُثّت في جسدي، زال خوفي قليلًا حين أتى الطبيب وتحدث مع والدي، فسأله عن اسمه فأجاب وسأله عن مكانه الذي هو فيه الآن، فلم يدرك أبي الإجابة، وسأله الطبيب عن عمله، أجاب أبي: "بروفيسور في كلية التربية ابن الهيثم" نظر إليّ الطبيب متسائلًا عن صحة كلام أبي، فأخبرته أنها ليست صحيحة، وتحدثت مع والدي: "بابا انت قبل جنت تدرس بابن الهيثم، هو جاي يسالك عن هسة وين تدرس" أطرق أبي رأسه متفكرًا ثم قال: "مدينة العلم الجامعة" وكانت إجابته صحيحة هذه المرة، حدّق الطبيب إلى قدميّ والدي، وأحسست من نظراته عدم الراحة، ثم حاول تحريك القدم اليسرى فلم تتحرك، وكذلك اليد اليسرى بقيت لا تتحرك، في هذه اللحظة أحسست بوخزة في قلبي، أحسست بشعور فراغ يجوب صدري، أحسست بالألم وأنا أغالب دموعي، جلست بجانب قدميه على حافة السرير أتامل متسائلًا: لماذا أبي؟ لماذا أنا؟ ولماذا اليوم؟ خاصة وأن امتحان مادة علم الأعصاب يكون غدًا!..... يُتبع.
ضع لنا ❤️ إن أعجبك المحتوى، شاركه لمن تحب، ولا تنس أن تكتب لنا رأيك في تعليق.
كن معنا بين دفتيّ كتاب.
انضم إلى فريقنا.
#مجلة_الطالب_السومري


