لسنا نبحث عمّن يشبهنا تمامًا، بل عمّن يجعل اختلافنا يبدو مألوفًا، وغرابتنا مفهومة، وصمتنا مريحًا… ثم نكتشف أننا لم نكن نبحث عن الحب، بل عن شخصٍ نشعر معه أن ذواتنا ليست غريبة.
الحبّ عنده توافق بين غرابتين، لا مجرد عثور على شريكٍ مكتمل. والغرابة هنا طريقةٌ خاصة في التفكير والسلوك لا يمكن ضبطها بشكل دقيق بمعايير الثقافة الاحتفالية؛ وهي ما تخلصت منه في الإنسان محاولته الخاصة أن يفهم عالمًا لا يأتي بدون دليل استعماله. ويكفي في التقارب أن تتواصل مع الآخر من المألوف موقفًا مثل موقفنا، وأن تكون المسافة التي يحفظها بينه وبين الناس من جنس مسافتنا، لا أن تتشابه أطوارنا وأذواقنا وأهواؤنا.
غير أن أكثر ما غيرنا بيننا خسارة عند حدود ما نتّفق عليه. لن نستمر في إخفاء طلب غرابتنا لقبول الآخرين، ونصطنع في الداخل بشكل تُيسّر المخالطة وتحجب ما فينا من تفرّد. ولهذا يضحك الرجل في المجلس ضحكته ليست ضحكته، ويعود إلى بيته فيصمت ساعةً كاملة ولا يعرف هو نفسه لماذا. والفهم الذي ينتظره هو أن يرى الآخر غرابتنا منطقةً له أتّساقه، وأن يحتملها دون أن يهمّ بتقويمها. وعندما تصير الغرابة قاسمًا مشتركًا، ثم قلب العزلة أماميةً.
لهذا يخذلنا المواصفات المنطقية في الارتباط. والإنصاف أن له وجاهته: التشابه في الميول والخلفية يقرّب في أوّل الطريق وييسّر الألفة الأولى. لكن ما يجمع كل شيء، وما يجعلهم يستحقون الدوام شيء آخر.
كتب ريلكه في «رسائل إلى الشاعر شاب»:
« الحبّ المدافعٌ عظيمٌ إلى أن ينضج الفرد، وأن يصير شيئًا في الوجود، وأن يصير عالمًا، أن يصير عالمًا في الأبد إلى إنسانٍ أخيرًا »
وهذا الناضج يقوم على أن يظهر كلٌّ بغرابته، وأن يغيب عنها الآخر طريق مفتوح. والغرض من هذا الاختراع اختراع بعيدٍ يسمح بعدم اندماجه، وبالأهم دون احتواءه، وترك لكلهم غرابته التي لا تشبه غرابة سواه أحد.
-ليث سمير 🤎🎼