مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ
ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله:
إذا أصبح العَبْد وَأمسى وَلَيْسَ همه إِلَّا الله وَحده تحمل الله سبحانه حَوَائِجه كلهَا وَحمل عَنهُ كل مَا أهمه وَفرغ قلبه لمحبته وَلسَانه لذكره وجوارحه لطاعته وَإِن أصبح وَأمسى وَالدُّنْيَا همه حمله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكله إِلَى نَفسه فشغل قلبه عَن محبته بمحبة الْخلق وَلسَانه عَن ذكره بذكرهم وجوارحه عَن طَاعَته بخدمتهم وأشغالهم فَهُوَ يكدح كدح الْوَحْش فِي خدمَة غَيره كالكير ينْفخ بَطْنه ويعصر أضلاعه فِي نفع غَيره لكل من أعرض عَن عبودية اللله وطاعته ومحبته بلي بعبودية لمخلوق ومحبته وخدمته
وهذ المعنى من أحوج ما يحتاج إليه المؤمن في حياته، فكثيرٌ من الاوقات يهتم المصلح بكيف يحصل الرزق، وكيف يحصل كذا وكذا من الأغراض الدنيوية، وربما يهتم لمستقبله الشخصي، ولمستقبل أولاده، ولمستقبل عائلته، وربما يكون في ظروف غير اعتيادية في حياته فيرى مشقةً بالغةً في تصور كيف سيحصل الرزق، وكيف سيصل إلى المقامات العالية في الإصلاح، وكيف سيكمل في طريق بنائه الشخصي، أو عطائه، بل حتى لو نزلنا إلى مرتبةٍ أدنى، ربما يفكر المؤمن نفسه: كيف سأحصل الرزق وأنا ظروفي هكذا، وربما يفكر أنه في بلدٍ منكوب، وفي حياةٍ ومعيشةٍ منكوبة، ويظن أنه لو كان في بلدٍ آخر لكان حاله خيراً من حاله، والحققة ان الإنسان في كل حالاته مفتقرٌ إلى الله، وإلى عطاء الله، وإلى أن يكفيه الله عز وجل همه، ولو وُكل الإنسان إلى نفسه لما قدر أن يفعل شيئاً، ولا ان يغير شيئاً، وهذا المعنى وإن سلّم به كثيرٌ من الناس نظرياً إلا أن الناس على تفاوت عظيم في الإيمان الجازم به، وديننا كله مرتبط بالإيمان الجازم، فما دام قاله النبي صلى الله عليه وسلم، هل تكذب نبيك صلى الله عليه وسلم؟
وهذا المعنى إن استقر في النفس وعمل الإنسان بمراد الله منه، ولم يأبه بالأغيار، لحصّل توفيقاً كبيراً، ولنال تركيزاً على الهدف، وإخباتاً وخشوعاً وانكساراً بين يدي الله، هذا الانكسار هو الموصل إلى المراتب العظيمة، ولو تفرّق الإنسان وتشعب لما وصل إلى أي مرادٍ من المرادات، ولضاع في بحار التيه والحيرة، ولفتّته الدنيا، خصوصاً اولئك المصابون بابتلاءاتٍ شتى، فإنهم إن وضعوا هدفًا واحداً وهو رضى الله، لارتاحوا كثيرا.
وما أكثر ما تأتيني الشكاوى والكلام والأحزان والهموم في أمورٍ والله لا تستحق التوقف عندها، وربما يأتي الخوف من المستقبل البعيد، حتى يقعد الإنسان، وهذا كله من حيل الشيطان، والله المستعان.
#الأربعون_النفسية