. . . في الخارج ضغط على زر الرد واصبعه يرتجف، يعرف طبيعة جده الحارَّة، لن يستطيع إيقافه حتى وإن كان بريئًا؛ لن يترك له فرصة لمقاطعته وشرح موقفه، سيصب بسيل سخطه عليه دفعة واحدة، ولن يتمكن من الرد عليه بكلمة، فوضع الهاتف على أذنه مستسلمًا، مستعدًا لسماع توبيخٍ ينتهي بطرده وإقصائه. وصل صوت جدِّه بنبرة ممتعضة ثائرة: - "حاولت أكسبك على سوئك، لكنك هاوي الضياع، وماني دليل للضايعين. لا تجيني، ولا أشوف وجهك إلا من عيد لعيد، يكفيني ما لحقني من وراك، ماني ناقص تلحقني لعنة قطع الأرحام." ثم أنهى المكالمة! حسنًا، لقد توقع سماع المزيد، ولكن هذا القدر أوجع خاطره وضايقه. لم يكن يريد خسارة جدّه. ولو خُيِّر بين خسارته أو خسارة أمجاد، لاختار خسارة أمجاد. لقد كان سيئًا لا يُطاق، لا ينكر ذلك، ولكن هذه المرة لم يكن مذنبًا! لقد خُدع، لأنه كان أحمقًا، يعترف بذلك. كان الأمر واضحًا، وعملية التسريب كانت فاضحة، ولكنه كان عميًّا، غبيًا، لم ينتبه ولم يرى. لن يبرر، لن يحاول شرح موقفه، لن يتوسل إليه ليسمعه. جده اختار وفضَّل سير أعماله بأيد أمينة يطمئن لها، وهو على ما يبدو لا يرتقي لهذا. . . عاد إلى المنزل وقد جلب معه وجبة عشاء من الخارج.. فبفضله لم يأكلا شيئًا اليوم. كانت تجلس في غرفة المعيشة، تُمسك بجهاز التحكم، تقلب بين القنوات بلا تركيز... شاشات تتغير ووجوه تمر، وعيناها معلقتان بالضوء المنبعث من التلفاز بجمودٍ تام. وضع كيس العشاء بينهما. ولكنها لم تلتفت عليه، ولم تعر وجوده اهتمامًا أو انتباهًا. أخرج طبق العشاء، وقرّبه منها: - تعشّي، ما أكلتي شيء اليوم. نظرت إليه نظرةً لائمة، أرادت أن تستهجن قوله، وهو المتسبب، وراعي السبب. ولكنها لم تقل شيئًا، قامت من مكانها، وذهبت إلى غرفة النوم، وأغلقت على نفسها الباب. . . .
10
1