. . . على الجانب الآخر.. لم تكن حياة جرَّاح وفاتن مستقرة، كما يبدو عليهما من بعيد، ولم يكن حالهما بعيدًا عن حال يافع وأمجاد. قبل يومين خرجا إلى نزهة رتبها جرَّاح بطريقة فريدة.. حيث قرر أن يأخذها دون أن يخبرها إلى أين. وقبل أن يخرجا ناولها قطعة قماش، وطلب منها أن تعصب بها عينيه. رفعت حاجبها بذهولٍ شابهُ الارتياب: -"ليش؟" -"اليوم أنتِ عيوني." بأسفٍ يمازجه الدلال قالت: -"بس اليوم!" رمقها بطرف عينه متبسمًا. واهٍ من هذه الفتاة! تستوثق من ودّه في كل سانحة، وتطمئن على مكانتها كل يوم. -"أنتِ عيوني كل يوم -رومانسياً-، لكن اليوم راح أعتمد عليك بالمشي.. أنا حتى عصاية ما معي." لم تصدقه، ولم تقتنع، ولكنها هزت رأسها على مضض: -"تمام، تمام.. الله يستر." خرجا معًا. وتعمّد جرّاح منذ الخطوة الأولى أن ينحرف نحو الاتجاه الخاطئ، فما كان منها إلا أن جرّت يده إليها: "يمين!" تمتم بتمثيلٍ متقن: -"أوه صح..." ثم تعثر بطرف شيء لم يكن موجودًا، فاشتدت قبضتها على يده وحذرته بصوتٍ خفيض: "انتبه!" استمر في تمثيل دور العاجز طوال الطريق؛ يخطئ، ويتعثر في خطاه، تاركًا لها كلفة إرشاده وتصويب مساره. وكلما انشغلت هي بتمهيد الطريق له، وتفحص موطئ قدمه، كان يرفع طرف القماش بخفةٍ بالغة، ليختلس نظرةً سريعة يستبين بها معالم طريقهما، ثم يعيد العصبة إلى مكانها كما كانت. ركبا السيارة، لكنه لم يتوقف عن إيهامها بأنه لا يرى؛ كان يقود بتهورٍ مدروس، يحرك المقود بشكل مباغت يمينًا وشمالًا لتصدقه، وليخيفها قليلًا، مستمتعًا بذعرها وقلقها عليهما. . . .
9
1