يقولون:
«أنا بخير.»
ثم يبتسمون.
ثم يغيّرون الموضوع.
وكأنّ كلمةً صغيرةً كهذه قادرةٌ على اختصار كلّ ما يحدث في الداخل.
هناك أناسٌ أتقنوا النجاة إلى درجةٍ جعلت الجميع يظنّ أنهم لم يتعبوا يومًا.
يذهبون إلى أعمالهم.
يحادثون الآخرين.
يضحكون في الوقت المناسب.
يجيبون عن الأسئلة المعتادة.
ويقولون:
«لا شيء.»
بينما في داخلهم...
أشياء كثيرة.
في داخله عالمٌ كامل،
لكنّه لا يملك الوقت لشرحه.
أبوابٌ أُغلقت.
وأخرى لم تُفتح أصلًا.
أشخاصٌ رحلوا دون أن يعرفوا كم تركوا خلفهم.
ذكرياتٌ تعود في أكثر الأوقات هدوءًا.
وأشياء صغيرةٌ جدًا...
لكنها قادرةٌ على إفساد يومٍ كامل.
يبدو هادئًا.
لكن الهدوء ليس دائمًا سلامًا.
أحيانًا يكون الهدوء هو الطريقة الأخيرة التي يتعلّم بها الإنسان أن يخفي ضجيجه.
يبتسم.
ليس لأنّه سعيد دائمًا،
بل لأنّه لا يريد أن يشرح لماذا ليس كذلك.
يقول:
«أنا بخير.»
لأنّه يعرف أن الإجابة الحقيقية ستحتاج إلى جلسةٍ طويلة،
وإلى شخصٍ يعرف كيف يستمع،
وإلى قلبٍ لا يخاف من الأشياء الثقيلة.
ولهذا...
يختار الصمت.
ليس كلّ صامتٍ متماسكًا.
بعضهم فقط تعب من شرح ما لا يمكن شرحه.
تعب من أن يقول:
«هذا يؤلمني.»
ثم يسمع:
«ستتجاوز.»
تعب من أن يفتح قلبه،
ثم يكتشف أن الطرف الآخر كان ينتظر دوره في الحديث فقط.
ومع الوقت،
يتعلّم الإنسان أن يحمل أوجاعه بطريقةٍ أكثر أناقة.
يضعها في زاويةٍ بعيدة من قلبه.
يرتبها.
ويخرج إلى العالم.
وهكذا يصبح قادرًا على الضحك،
وهو يحمل شيئًا يبكي في داخله.
قادرًا على الحديث،
وهو يخوض حوارًا طويلًا مع نفسه.
قادرًا على مساعدة الآخرين،
وهو في أمسّ الحاجة إلى من يسأل:
«وأنت... كيف حالك حقًا؟»
أحيانًا،
لا يحتاج الإنسان إلى حلّ مشكلته.
يحتاج فقط إلى أن يشعر أن أحدًا لاحظها.
أن أحدًا رأى التعب المختبئ خلف ابتسامته.
أن أحدًا فهم أن كلمة «بخير»
لم تكن جوابًا،
بل كانت محاولةً لإنهاء الحديث.
فكم من شخصٍ مررنا بجانبه،
وظنناه بخير،
لأننا لم نرَ إلا وجهه.
ولم نعرف أن خلف ذلك الوجه
لياليَ كاملةً من التفكير.
وأحاديث لم تُقل.
وأسئلة بلا إجابات.
وأحلامًا تغيّرت دون أن تخبر أحدًا.
نحن لا نعرف دائمًا ما الذي يخوضه الآخرون.
ذلك الذي يضحك كثيرًا،
قد يكون قد أمضى يومه كله يحاول ألّا ينهار.
والذي يبدو قويًا،
قد يكون أكثر الناس احتياجًا إلى كلمةٍ واحدة:
«أنا هنا.»
والذي اعتدنا أن نراه سندًا للجميع،
قد يكون هو نفسه يتمنى، ولو لمرة،
أن يجد من يسنده.
لذلك...
لا تكن سريعًا في الحكم على الوجوه.
ولا تجعل الابتسامة دليلًا على السلام.
ولا تجعل الصمت دليلًا على الرضا.
فبعض المعارك لا صوت لها.
هناك من يحارب نفسه كل ليلة،
ثم يستيقظ في الصباح
ويؤدي دوره بإتقان.
يُكمل يومه.
يجيب.
يبتسم.
ويعود إلى بيته.
ثم حين يهدأ كل شيء...
يبدأ العالم الحقيقي داخله.
هناك،
حيث لا أحد يراه.
حيث لا يحتاج إلى التظاهر.
حيث يستطيع أن يضع رأسه قليلًا على وسادته
ويعترف لنفسه بكل ما أخفاه عن الآخرين.
ربما لهذا،
لا يحتاج بعض الناس إلى نصيحة.
ولا إلى أسئلة كثيرة.
ولا إلى محاضرة عن الصبر.
ربما يحتاجون فقط إلى مساحةٍ آمنة
يستطيعون فيها أن يكونوا كما هم،
دون أن يضطروا إلى قول:
«أنا بخير.»
ومع ذلك...
نحن نتعلم.
نتعلم أن الحياة لا تنتظر حتى نُشفى تمامًا.
تستمر.
نستمر معها.
نضحك رغمًا عن بعض الأوجاع.
نخطط لأيامٍ قادمة رغم أننا لا نعرف كيف سيكون الغد.
ونترك للأشياء وقتها.
فالإنسان لا يتعافى دفعةً واحدة.
أحيانًا يتعافى في تفاصيل صغيرة جدًا.
في صباحٍ لا يكون ثقيلًا.
في أغنيةٍ يسمعها دون أن تؤلمه.
في مكانٍ يعود إليه دون أن يبحث عن شخصٍ غاب.
في ليلةٍ ينام فيها دون أن يعيد الماضي ألف مرة.
شيئًا فشيئًا...
يصبح ما كان يؤلمنا جزءًا من قصتنا،
لا كلّ قصتنا.
وهنا نفهم شيئًا مهمًا:
أن تكون بخير
لا يعني أن حياتك أصبحت خاليةً من الوجع.
بل يعني أنك تعلّمت كيف تحمل بعضه
دون أن يسمح لك بالضياع.
لذلك،
إن سألك أحدهم اليوم:
«كيف حالك؟»
ولم تكن بخير تمامًا...
فلا بأس.
ليس عليك أن تكون قويًا طوال الوقت.
وليس عليك أن تبتسم كي تطمئن الآخرين.
وليس عليك أن تخفي عالمك كله
خلف جملةٍ واحدة.
يكفي أن تكون صادقًا مع نفسك.
أن تمنح قلبك بعض الرفق.
أن تتذكر أن ما تشعر به ليس كل ما أنت عليه.
وأن الأيام، مهما أثقلت عليك،
لا تبقى على حالٍ واحدة.
كل شيءٍ بخير...
تقريبًا.
وهذا «التقريبًا»
هو المسافة الصغيرة
بين الإنسان الذي نحاول أن نبدو عليه،
والإنسان الذي نحاول، بصمت،
أن نعود إليه.
وفي آخر الليل،
حين يهدأ العالم،
وتنطفئ الأصوات،
وتبقى أنت وحدك مع نفسك...
قد تكتشف أنك لم تكن بحاجةٍ إلى أن تكون بخير طوال الوقت.
كنت فقط بحاجةٍ
إلى أن تجد مكانًا
لا تضطر فيه إلى إخفاء أنك لست كذلك. 🖤