موقف عابر بـ "ستاج الأطفال"✨
في خطوتنا الأولى داخل أروقة قسم الدموية للأطفال، بدأتُ رحلتي. كنتُ أطوف مع الأطباء يومياً بين الغرف، أحمل في قلبي شغف التعلّم، وفي عقلي هاجس الامتحان العملي المقترب والرهبة من الفحص السريري للأطفال. لكنّ سوء الحظ كان حليفي في تلك الأيام؛ فالألم الذي يسكن تلك الأجساد الصغيرة جعلهم يخافون المعاطف البيضاء. جربتُ كل شيء.. خلعتُ مريولي الطبي كي لا يفزعوا، أحضرتُ البالونات والحلويات، لكنّ وجعهم الصغير كان أكبر من أي محاولة، فكان البكاء والرفض هو الجواب.
حتى حملتني الأيام إلى أسبوع الدوام في قسم الأمراض الإنتانية..
هناك، وتحديداً في الغرفة (508)، كان التخت يواجه الباب تماماً. أول ما وقعت عليه عيناي لم يكن ملامح الخوف المعتادة، بل وجهٌ بريء يشعّ بنظرة مختلفة كلياً. وجهٌ بشوش رَدّ على ابتسامتي بأخرى أشدّ عذوبة، متناسياً وجعه الخاص.
انتهت الجولة، لكنّ طيف تلك الابتسامة لم يغادرني. في اليوم التالي، قصدتُ غرفتها قبل جولة الأطباء الصباحية. استقبلتني ابنة العامين بنقاءٍ لا يوصف، لعبت معي، فواعدتها بزيارة أخرى وأشياء طيبة تحبها. أصبحت تلك الصغير كلما مررنا بغرفتها، تُرسل لي "قُبلاتٍ عابرة" في الهواء.
دفعتني تلك المحبة لمعرفة حكايتها، فالمرض لا يليق بالطفولة أبداً. جلستُ مع والدتها، قدمتُ لها البالون والشوكولا، وبدأت تتكشف أمامي فصول معاناةٍ مريرة بدأت مع أنفاسها الأولى في هذه الدنيا.
عرفتُ أن هذا الجسد يحمل حزمة من المشاكل الخلقية منذ الولادة؛ فتقٌ سريّ بالبداية كان استطباب مراقبة فقط، وقيلة سحائية مائية أسفل الظهر تسببت لها بمثانة عصبية وقصور كلوي من الدرجة الثانية، خضعت بسببه لعملية جراحية وهي لم تتجاوز الشهرين من عمرها، فضلاً عن قدمٍ قفداء تحتاج جراحة تجميلية لاحقاً.
لم ينتهِ الدرب هنا؛ فقبل ستة أشهر كَبُر الفتق السريّ لتدخل غرفة العمليات مجدداً تحت وطأة الألم والحرارة. ثم عادت لتراجع المشفى بخُراج في البطن، وإنتان بولي، ونزّ للدم والبول من السرة.. وهي الآن تقاوم كل هذا على سرير الشفاء.
وقفتُ مذهولة.. كيف لهذا الجسد الصغير المتعب أن يحمل كل هذه القوة؟ وكيف لعينين رأت كل هذا المرض أن تفيض بالأمل والتفاؤل؟
ودعتني والدتها وهمست لي بـرجاءٍ يحمل غصة قلب كل أم: "دكتورة، أمانة ادعيلها ما تحتاج عملية تانية".
خرجتُ من غرفتها وفي قلبي درسٌ بليغ؛ أن هؤلاء الأطفال ليسوا مجرد "حالات سريرية" نمرّ عليها في جولاتنا الطبية لنحفظ أعراضها ونمضي، بل هم جرعات مكثفة من الصبر، يعلّموننا كيف نبتسم في وجه العاصفة، ويذكروننا بنبل الغاية التي اخترنا هذا الطريق لأجلها.
فاللهم أنبتها نباتاً حسناً، واشفِ جسدها الصغير، واحفظها بعينك التي لا تنام.. اللهم خفف عنها وعن كل مريض وطأة الألم، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين شفاءً تاماً لا يغادر سقماً، ولا تُري قلوب الأمهات والآباء بأساً يبكيهم على قِطَع قلوبهم.
لا تبخلوا على الطفلة وعلى كل مريض بدعوة صادقة من قلوبكم لعلّ أحدكم أقرب إلى الله .. 🤍🌷
#يوميات_طبية
#OTS






