إن الفرق بين الوحدة والوحشة لبعيد، هذه هي الحكمة التي تعلمتها الآن،… — فريدريك نيتشه — TG.ME

إن الفرق بين الوحدة والوحشة لبعيد، هذه هي الحكمة التي تعلمتها الآن، فأدركت أنك ستبقى أبداً الغريب المستوحش بين الناس، حتى ولو بذلوا حبهم لك؛ لأنهم يطمعون منك بمداراتهم قبل كل شيء.

إنك هنا تأوي إلى مسكنك فيمكنك أن تقول ما تريد، ففي العزلة لا يخجل الإنسان من خطرات سريرته المتصلِّبة.

كل شيء هنا ينقاد إلى بيانك متحبباً طائعاً ؛ لأن الأشياء كلها تقصدك لتعتليك وتعلو أنت رموزها كمطايا تذهب بك مطلوقة العنان نحو الحقائق جميعها.

هنا لك أن توجه خطابك إلى كل الأشياء؛ لأن كل كلمة إخلاص تقال لها تتلقاها حمداً لها وثناءً عليها.

أيتها العزلة لكَم في صوتك من نبرات السعادة في عطفه وحنانه، ليس بيني وبينك من شكوى ولا عتاب، فكلانا نمرُّ صريحين من الأبواب المشرعة؛ لأن كل شيء لديك مضيء والساعات تمر فيك عجلى خفيفة، وما تتثاقل الساعات في النور مثل تثاقلها في الظلام.

إنني أشعر هنا بأن لكل شيء روحه ومعناه، فكل كائن يريد أن يعبر عن سريرته وكل ما سيكون يطمح إلى تعلُّم البيان مني، أما هنالك فكل قول عبث وهراء وخير حكمة للناس هي النسيان والفناء، وهذا ما تعلمته منهم، وإذا ما أراد أحدهم أن يفهم كل شيء وجب عليه أن يستولي على كل شيء، وما تمتد إلى الأخذ يداي الطاهرتان. لقد تولاني الاشمئزاز من رائحة أنفاسهم، فوا أسفاه على زمن طويل قضيته حيث يضجون ويتنفسون.

يا للعزلة السعيدة أتمتع بها، ويا للعرف الزكي يتضوَّع حولي. إنني أنشَقُ بملء رئتيَّ هذا الهواء النقي في هذا السكون المتنصت، أما هنالك فكل شيء يتكلم ولا سميع فإذا ما أذاع أحد فضائله بقرع الأجراس خنق الدويَّ في الساحات رنينُ الفلوس الكبيرة تقلِّبها أيدي البائعين. هنالك يتكلم الكل وليس من أحد يفهم ما يقال، فكل شيء يقع في المياه الجارية ولا يتسرب شيء إلى أعماق منابعها. هنالك كل شيء يتكلم ولا شيء يبلغ نجاحًا أو تكاملًا. الكل يصيح وليس من يرضى باحتضان البيوض في الأعشاش، كلٌّ يتكلم وكلُّ كلام متراخٍ مديد وما كان يقسو من البيان على أفواه أبناء الأمس أصبح لينًا تلوكه الأشداق في هذا الزمان.

هنالك الكل يتكلم ولم يبقى من مستور لم يهتك؛ فما كان يعد بالأمس سراً كمينًا في أعماق النفوس تتناوله اليوم مقارع الطبول وحناجر الصائحين، فيا للطبيعة البشرية، ما أنتِ إلا ضجة في المسالك المظلمة، لقد تجاوزتك فتركتك ورائي خطرًا أُنقذت منه، وقد كانت المداراة والرحمة أشد ما تعرضتُ له من أخطار، وكل كائن في البشر يطلب أن يتعامل بالمداراة والرحمة، وما عشت بين الناس إلا وأنا أحفظ حقائقي في قلبي ويداي وأحشائي ترتعش ارتعاش الجنون لأكاذيب الرحمة والإشفاق.

هكذا عشت بين الناس، جلست بينهم متنكرًا أكاد أجحد ذاتي؛ لأحتملهم مُقْنعًا نفسي بقولي إنني مجنون لا أدرك حقيقتهم.

إذا أنت عاشرت الناس فإنك لتنسى ما تعرفه عنهم؛ لأن ما ينطح بصرك من المشاهد الخارجية يصده عن سبر أبعادهم وأعماقهم.

لقد جهلوا حقيقتي فدفعني جنوني إلى مداراتهم بأكثر من مداراة نفسي؛ لأنني تعودت أن أقسو عليها فأصبحت هذه المراعاة انتقامًا منها لها.

جلست بين الناس تلذعني حشراتهم السامَّة، وتنال مني شرورهم نوال قطرات الماء المتوالية الانسكاب على الحجر، فكنت أقول لنفسي: «إن الحقارة تحمل براءتها في ذاتها.»

وما رأيت بين الناس حشرات أشدَّ فتكًا بسمومها من الصالحين؛ لأنهم يغرزون حُماتهم بكل صلاح، ويكذبون بكل صلاح فكيف أتوقع منهم عدلًا وإنصافًا.

إن ما تعلمته هنالك هو أن أستر نفسي وأخفي ثروتي؛ لأنني رأيت كل غنيٍّ بين الناس فقيرًا بعقله، وما الحياة الحياة إلا على القمم، وها أنذا أنشق الهواء الطلق على أعالي الجبل حيث لا أشتمُّ روائح المجتمع الإنساني.

- فريدريك #نيتشه / من كتاب ( هكذا تكلم زرادشت )
الصفحة 154
ترجمة : فليكس فارس

❤25👍3💘3💔2👎1🔥1
August 12, 2026 4K 8 21