(هل التردد دليل على غياب الرغبة؟ تفكيكٌ لعبارة رائجة).
يقول الكاتب: "إذا ترددت بين نعم أو لا، فقل: لا؛ لأن الرغبة الحقيقية ليست موضعًا للشك".
انتشرت هذه العبارة انتشارًا كبيرًا خلال هذين اليومين، وتجاوزت إعجاباتها أربعة عشر ألف إعجاب، مما يعكس حفاوة بالغة بهذا النوع من الطرح، وهذا يستدعي وقفة سريعة للتعليق عليها:
هذه العبارة لا يصلح أن تكون قاعدة بهذا الإطلاق والعموم؛ لأن أسباب التردد ليست محصورة في انعدام الرغبة فقط، فقد يكون سبب التردد هو الخوف من الفشل، أو قلة المعلومات، أو أن القرار معقد، أو مصيري، فهذا النوع من القرارات نادرًا ما يأتي بيقين مطلق، لأنه لا يخلو من موازنة بين إيجابيات وسلبيات، ومصالح ومفاسد، فالتردد هنا علامة نضج وتفكير، وليس دليلاً على انعدام الرغبة.
كما أن الانحياز التلقائي لخيار "لا" عند التردد؛ يؤدي إلى خسارة فرص استثنائية تتطلب مجازفة محسوبة، وتستدعي خطوة شجاعة من شأنها أن تنقل الإنسان نقلة نوعية في حياته.
ثم إن الرغبة لا تولد دائمًا مكتملة من اللحظة الأولى؛ فكثير من التجارب تبدأ بتردد وفضول حذر، ثم تتحول إلى رغبة حقيقية وشغف كبير بعد التعمق فيها.
ومن أوجه الخلل أيضًا، أنها لم تفرق بين الرغبة والقرار؛ فتفترض أن الرغبة وحدها هي المحرك، بينما كثير من القرارات الصحيحة التي نتخذها تكون صائبة رغم انعدام الرغبة، وربط اتخاذ القرار بمجرد العاطفة فقط يعزز الاندفاعية، ويضعف الانضباط الذاتي.
ولا شك أن أوجه النقد لهذه العبارة أكثر مما أشرت إليه، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، ويبقى السؤال متى تكون هذه العبارة صحيحة؟ ربما تصلح هذه القاعدة في اتخاذ قرار تكون العاطفة والرغبة جزءًا مؤثرًا فيه، أو لحماية النفس من الاستنزاف الاجتماعي، أو بعض المجاملات التي لا تريدها، لكنها تفشل كمنهج عامٍّ لاتخاذ القرارات، أو تقييم الفرص، والله أعلم.

