يا أبعدَ الناسِ قُرباً، وأقربَهم غِياباً..
أكتبُ إليكَ وفي قلبي من الهِيامِ ما يملأُ الجبال والرحَاب، وفي صَدري غُصّةٌ من جَفائِكَ الذي طالَ واستطاب.
أتأملُ طيفَكَ و اتسائل :
كيفَ لقلبٍ أضاءَ كوني أن يلوذَ بالبُرودِ ويموت؟ تواصلُكَ الشَّحيحُ باتَ يقطرُ في مَسامعي كأنهُ الوداع، ونظراتُكَ العابرةُ تُغرقُ مركبي في بَحْـرِ الضَّياع. شحيحٌ أنتَ في وصلِكَ، بخيلٌ في بَوحِكَ، كأنّكَ لم تَكُن يوماً دواءً لقلبي وطبيباً لِجُرحِكَ.
ومع ذلك.. أُحبُّكَ حُبّاً لو بَذرتُهُ في صخرٍ لَأنْبَتَ رَيحاناً ويَاسَمينا، وحنيناً لو صَببتُهُ في جَوفِ الليلِ لَأَحالَ ظَلامَهُ نُوراً مُبينا.
أنا العَاشِقُ الذي ما هَزّهُ جَفاك، ولا مَالَتْ بوصلتُهُ لغيرِ سَمَاك. أراكَ كالغَيمِ البعيدِ يَبخلُ بالمَطر، وأظلُّ أنا والْأَرضُ العَطشى في انتظارِ الأَثَر.
يا قِبلةَ الروحِ وإنْ قَلَّ الكَلام، أعْلِنُ حُبِّي لكَ فصيحاً جَليّاً لا يَقبلُ التَّأويل، حُبّاً يَبقى شامخاً وعن عهدِكَ أبداً لا يَميل. فَلِمَ هَذا الجُمود وأنتَ كلُّ الوُجود؟
وعِلامَ هَذا الصَّدّ وأنا مَن حَفِظَ الوُدّ؟
رُدَّ إليَّ بَعضَ رُوحِي، بالتفاتةٍ، بكلمةٍ، أو عِتاب..
فإنَّ في قلبي من الشَّوقِ ما يَدُكُّ الجِبالَ الرَّواسي، ويُذيبُ قلبَكَ الجَافي والقَاسي.







