خرج إسماعيل تمر يتحدث عن الدين والعقيدة، فاعترض على من يقول إن النصارى كفار وإن بعض العقائد توجب النار، وكأن المسلمين جلسوا يومًا ووزعوا فيما بينهم مفاتيح الجنة والنار بحسب أهوائهم.
والجواب بسيط: نحن لا نملك الجنة ولا النار، ولا نعلم الغيب، وإنما نخبر بما أخبر به من يملكهما سبحانه. فإذا أخبر الله أن عقيدةً ما كفر، وأن الشرك سبب للخلود في النار، فليس المسلم هو الذي اخترع هذا الحكم ولا هو الذي «وزع مفاتيح الجنة». قال تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ ثم قال في الآية نفسها: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار﴾ [المائدة: 72]. وقال تعالى: ﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها﴾ [البينة: 6].
فإن كان مجرد نقل حكم الله عند إسماعيل «توزيعًا لمفاتيح الجنة»، فاعتراضه في الحقيقة ليس على الناس الذين نقلوا الحكم، وإنما على الحكم الذي جاء به الوحي نفسه.
والتوحيد بالفعل أصل النجاة ومفتاح دخول الجنة، وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال لمعاذ: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا»، وقال في الحديث الآخر: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار» [رواه مسلم].
ثم إن القضية لا علاقة لها أصلًا بكون النصراني لطيفًا أو كريمًا أو حسن المعاملة. قد تجد مسلمًا سيئ الخلق، وقد تجد نصرانيًا حسن المعاملة، ولا تتحول العقائد إلى حق وباطل بحسب ابتسامة صاحبها وأسلوبه مع الناس. الكفر والإيمان باب، وحسن الخلق وسوء الخلق باب آخر. ولهذا سمّى القرآن عقيدة التثليث وتأليه المسيح كفرًا صريحًا، ولم يقل: إلا إذا كان صاحبها حسن الأخلاق.
وكذلك عند الكلام عن الطوائف المنتسبة إلى الإسلام، فالحكم العقدي يتعلق بما يعتقده الإنسان. فمن اعتقد عقيدة ناقضة لأصل الإسلام حُكم على العقيدة بما دل عليه الكتاب والسنة، ولا تتحول العقيدة المكفّرة إلى توحيد لأن صاحبها كريم أو لطيف. أما الحكم على شخص معيّن بعينه فله باب آخر وشروطه وتفصيله، ولا يصح خلط البابين.
أما أعجب ما قيل في المقابلة فهو تفسير «إقامة الصلاة» بأنها الأخلاق الحسنة بعد أداء حركات الصلاة!
والسؤال هنا: من أين جاء هذا التفسير أصلًا؟
أنت تعترض على الناس لأنهم -بحسب قولك- ينقادون خلف الأفكار دون سؤال، ثم تطلب منهم أن ينقادوا خلف تفسير اخترعته أنت لعبارة قرآنية من غير آية ولا حديث ولا لسان عربي ولا تفسير عن الصحابة. لماذا يكون فهم الأمة للصلاة «انقيادًا»، بينما يصبح فهم إسماعيل تمر الشخصي للدين «وعيًا»؟
الله تعالى يقول: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: 43]، ويقول لموسى عليه السلام: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ [طه: 14]. والنبي ﷺ لم يترك معنى الصلاة لكل إنسان ليعيد تعريفه بحسب فلسفته، وإنما قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» [رواه البخاري].
والأوضح من ذلك أن القرآن نفسه هدم هذا التفسير حين قال: ﴿وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت: 45].
لاحظ: أمره بإقامة الصلاة، ثم ذكر أن من آثار الصلاة أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. فالأخلاق والاستقامة من ثمرات الصلاة وآثارها، وليست هي تعريف الصلاة نفسها. ولو كانت «إقامة الصلاة» تعني أصلًا حسن الأخلاق، لصار معنى الكلام قريبًا من: أقم حسن الأخلاق لأن حسن الأخلاق ينهاك عن سوء الأخلاق! وهذا ليس تفسيرًا للآية، بل استبدال لمعنى شرعي بمعنى اخترعه المتكلم ثم نسبه إلى الدين.
نحن لا نقول إن الأخلاق لا قيمة لها، بل الإسلام أمر بها وجعل لها شأنًا عظيمًا، والنبي ﷺ قال: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا» [متفق عليه]. لكن المشكلة تبدأ عندما نأخذ قيمة شرعية عظيمة اسمها «حسن الخلق»، ثم نجعلها بديلًا عن التوحيد والعقيدة والصلاة، ونبدأ بإعادة تعريف ألفاظ القرآن حتى توافق فلسفتنا الشخصية.
الدين لا يؤخذ من انطباعات مغنٍ، ولا من مشهور، ولا مني ولا منك لمجرد أننا نملك ميكروفونًا ونتحدث بثقة. الحجة هي: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: 59].
فإن كنت ترى أن الناس يجب ألا تنقاد لكل فكرة تسمعها، فنحن معك تمامًا.
ونبدأ بتطبيق النصيحة على كلامك أنت.
September 8, 2026 379 6 2