أما بعد؛ فاليوم تميل شمس الانتظار لتشرق شمس الحصاد، وتنجلي خبايا الليالي عن طبيعة ما زرعت الأيادي، إنها لحظة الفصل التي تتمايز فيها المسالك، وتجني فيها النفوس ثمار ما أسلفت.
إلى من أزهر زرع سهرهم، وأينع ثمر جهدهم، وارتفع قدرهم بما صدقوا العزم وقرنوا العمل بالإخلاص؛ هنيئًا لكم هذا المقام.
اعلموا أن النجاح محض منة ونعمة من الله تعالى، فلا تجعلوا الفرح ينسيكم شكر الواهب، لتكن لكم في هذا اليوم سجدة شكر خالصة، تفيض فيها قلوبكم بالحمد لمن بلغكم مناكم؛ امتثالاً لقوله سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
ثم إلى من كبا بهم الخطو في هذه المرحلة، فضاقت بهم الصدور، وتسلل الحزن إلى محاني النفس؛ رويدكم! فما كان العثر أبداً مبطلاً للمسير، ولا نفيًا للسعي.
لا تيأسوا ولا تبتئسوا بما كان؛ فإن اليأس قنوط وانقطاع للرجاء في رحمة الله التي وسعت كل شيء. لقد نهى الله عباده عن القنوط ووصف به الضالين والكافرين، فتدبروا كتاب ربكم إذ يقول:
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾،
وإذ يقول سبحانه:
﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾،
ويناديكم برأفته:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.
الرسوب ليس نهاية الدنيا، بل هو محطة للاستدراك؛ وما أدراكم أنكم بهذا الاستدراك تقفون على خفايا غابت عنكم؟ فقد وقع فيه آلاف قبلكم وسيقع فيه آلاف بعدكم، لكن السعيد من جعل من إعادة الكرة مزيدًا من الإفادة.
تأملوا خطاب الله لنبيه نوح عليه السلام حين نهاه عن الابتئاس بفشل قومه في الاستجابة له:
﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾
؛ فإن لم تنجح في مساق أو خذلك التوفيق في جولة، فلا تتوقف عن العمل، بل حول وجهتك نحو بناء سفينة نجاحك الراسخة بعناية الله ورعايته.
أعيدوا تنظيم صفوفكم، واجمعوا شتات هممكم، وانهضوا نهضة الأقوياء؛ متدثرين باليقين بأن خيرة الله حيث أراد:
﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وأختم.. النجاح الحقيقي لا ينال بالمصادفة أو الحظ، بل يوهب لمن صدق في طلبه وأخذ بأسبابه معلقاً قلبه برب السماوات، هنيئاً لمن نجح بشرف، وبشرى لمن تعثر فأعد للقادم صقلًا للعزيمة.
- قناة أولى ثانوي: @FazaHS1
- همَّام الكانمي.










