-
العيش فوق الأرض وسيلة من وسائل الوصول إلىٰ الله والفوز بجنَّته ورضوانه، والوسائل - المباحة - لها حكم الغايات، وكلَّما كانت النِّيَّة في ذلك أخلص؛ كان الأجر في تلك الوسيلة أعظم، فإذا اشتُرِطَ للعيش فوق الأرض فعل ما يُبعِد عن الله ويضرُّ سبيل الهدىٰ، أو السُّكوت عمَّا يؤدِّي إلىٰ ذلك، أو ترك النَّهيِّ عمَّا يمسُّ شيئًا من المقاصد العظيمة؛ فباطن الأرض خير لبعض المؤمنين من ظهرها، ليصل - بذلك - من بقي منهم إلىٰ التَّمكين في الأرض والظُّهور علىٰ المشركين والمنافقين، أو المبتدعة والمحرِّفين، أو المرتدِّين والكافرين.
ندور مع الحقِّ حيث دار، نستخدم الوسائل ولا نخدمها، ونَحذَر مِمَّن يحاول إدارة الحقِّ حيث يَتوجَّه هُوَ، ومِمَّن يقصد الوسائل ويُذِلُّ لها نفسه، فهما أمارتان من أمارات الانحراف والضَّلال، أعاذنا الله وإيَّاكم من ذلك.
صيَّر بعضهم حكم الجهاد من الوسيلة إلىٰ الغاية فكانوا بذرة الخوارج في زمانهم، وصيَّر آخرون تحكيم الشَّريعة من الغاية إلىٰ الوسيلة - يقصدون بها الوصول إلىٰ القُوَّة والحُكم - فكانوا بذرة النِّفاق والخيانة في بلادهم، والحقُّ واضح بيِّن لا يأنف عنه إلَّا الهالك متقصِّدًا أو العليل معاقبًا، وفي كلِّ زمان طائفة منصورة مهديَّة لا يضرُّها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، جعلنا الله وإيَّاكم منهم، والله المستعان وهو أعلىٰ وأعلم.