أعرف أنني تحدثتُ سابقًا عن دهشتي عند قراءة القرآن بتمعن شديد في سني هذه وكأن القرآن الذي عرفتهُ سابقًا في أولى سنوات الصبا كان كتابًا مُختلفًا تمامًا! لأن قراءتهُ كفرض مدرسي، أو كوسيلةً للحصول على الأجر، وقراءتهِ لاحقًا من أجل النقد الذي يُخفي خلفه رغبة ملحّةً في أن يكون هذا الكتاب خاطئًا ومُحملًا بالإجرام والظلم والتخلف، قراءته بهذه الطرق لا تشبه قراءته بعقلٍ مُتعطش للحصول على إجابات ومُجرد من الأحكام المُسبقة. لا يمكن أن ترى أيّ شيء بوضوح عندما تقبل عليه بميلٍ واضح وصريح لأن يكون أو لا يكون كما تتمنى. الفهم يتأتى بالتأني والذهن المُنفتح للتلقي، وبالابتعاد عن العاطفة (حبًا أو كرهًا).
لا أستطيعُ في منشور واحد، ولا حتى عدة منشورات، أن أشرح رحلتي هذه، لأن القُرآن يُلقي على قارئه، الذي يرغب بفهمه دون الحكم عليه، حمولة ثقيلة من اللغة والسياقات وربط بعضه بما سبقه من كتب. فآياته لا تكشف عن نفسها بسهولة، ومع كل قراءة كاملة وبالترتيب نفسه تأخذ الروابط بالتشكل وتسقط قطع الأحجية في أماكنها الصحيحة. لذلك أريد أن أتطرق لجزئية صغيرة كانت تشكل بالنسبة لي في سنوات شبابي الأولى مُعضلة، وبقيت عصيةً على فهمي في جميع مراحل تقلباتي العقدية (وهي ليست كثيرة). كنت دائمًا أتساءل، بالنظر إلى ظاهر الآيات وانفصالها عما يوضحها، عن معنى أن لا هادي لمن أضلّ الله. فأقول في نفسي: "وما ذنبي أنا إن كانت مشيئتهُ أن يضلني؟". ولم أجد إجابة شافية. ليس أنني لم أسمع وأقرأ إجابات عن السؤال، فهو سؤال مشهور ومطروق، لكن الإجابات كانت دائما سطحية. ثُم قرأت، وقرأت، وقرأت؛ حتى فهمت أن القرآن يدفع الإنسان لتحمل ومواجهة عواقب إرادته وقرارته؛ ويخبرهُ أنه مسؤول عن اختياراته: فإن كان قد عزم على الضلال، يقول لهُ أن الله سيزيدهُ ضلالًا ، وإن عزم على الفهم بصدق، فإن الله سيأخذ بيدهُ. "فمن شاء اتخذ إلى ربهِ سبيلًا".. "إنهُم فتية آمنوا بربهُم وزدناهُم هدى".."فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا".. "والذين جاهدوا فينا لنهدينهُم سبلنا".."يوم ينظر المرء ما قدمت يداه".."اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا".."ويمدهم في طغيانهم يعمهون" .. الأمرُ يبدأ دائمًا من رغبة الإنسان وأعماله وقراراته، وهذا مفهوم مكروه جدًا في عصرنا، أن يقرّ الإنسان بمسؤوليته؛ فهو مُدمن لأنه يعاني من صدمة عاطفية، ويمتلك ميلًا جنسيًا مُختلفًا لأنهُ محكوم بجيناته، وهو مُجرم لأنه في الأساس ضحية اضطهاد، وهي اختارت أن تصل بجسدها لكنها ضحية التغرير بها؛ وهكذا ..
يبحثُ الفرد المعاصر دومًا عن جهة يلقي عليها المسؤولية ليكون ضحيّةً تستحق التعاطف، وبالتالي يرفض إلهًا يضعهُ أمام خيارات مصيرية، فيكون الأسهل لهُ أن ينبذ هذا الإله ويتنصل من إرادتهِ. فهو إله يرفض النظر لهُ كضحية، ويحثهُ على أن يختار فيستقيم، أو يختار فيحيد عن الطريق.
نحن مُبتلون بالرغبة في التنصل والهروب، والقرآن مُزعج جدًا لمن يعشق دور الضحية. ولا أنكر أنهُ أزعجني بعض الشيء في القراءات الأولى مثلما سيزعج هذا المنشور بعض من عرفوني كـ "مُلحد"، لكن الصبر على صراحتهِ وعدم مواربتهِ وعدم مداهنتهِ يثمر فهمًا جديدًا بل وعقلًا جديدًا.
22
3
3
2
1August 11, 2024 891 8