أمير الظل 🔻: post #53 — TG.ME

#سلسلة_ماذا_لو_ترجم_له_الذهبي 13 عائض القرني

عَائِضٌ القَرْنِيُّ
الشَّيْخُ، الأَدِيبُ، الوَاعِظُ المُفَوَّهُ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ، الَّذِي انْتَكَسَ فِي آخِرِ أَمْرِهِ وَصَارَ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَاطِينِ، عَائِضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ القَرْنِيُّ.
نَشَأَ بِبِلَادِ الحَرَمَيْنِ، وَرُزِقَ بَيَاناً سَاحِراً، وَحِفْظاً لِلْأَشْعَارِ وَأَيَّامِ العَرَبِ، مَعَ اطِّلَاعٍ وَاسِعٍ عَلَى الأَدَبِ. تَصَدَّرَ لِلْوَعْظِ فَرَقَّتْ لِقَوْلِهِ القُلُوبُ، وَذَاعَ صِيتُهُ، وَتَأَلَّفَ بِكَلِمَاتِهِ الشَّبَابَ، حَتَّى صَارَ رَمْزاً مِنْ رُمُوزِ الصَّدْعِ بِالحَقِّ فِي زَمَانِهِ، وَالتَّذْكِيرِ بِأَيَّامِ السَّلَفِ الصَّالِحِ.

وَيَا لَيْتَهُ ثَبَتَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ؛ بَلِ انْقَلَبَ رَأْساً عَلَى عَقِبٍ، وَبَدَّلَ طَرِيقَتَهُ لَمَّا اشْتَدَّتِ الفِتَنُ وَتَسَلَّطَ الحُكَّامُ. فَرَكَنَ إِلَى أَهْلِ الدُّنْيَا، وَبَاعَ حَظَّهُ مِنْ وُدِّ الصَّالِحِينَ بِزَخَارِفِ المُلْكِ، حَتَّى غَدَا مِنْ أَكْبَرِ عُلَمَاءِ السُّوءِ وَالمُدَاهِنِينَ فِي بِلَادِهِ. فَصَارَ دَيْدَنُهُ فِي كُلِّ مَحْفَلٍ وَمُنَاسَبَةٍ؛ التَّزَلُّفَ لِلْحَاكِمِ وَإِطْرَاءَهُ، مُسَخِّراً فَصَاحَتَهُ وَشِعْرَهُ فِي مَدْحِ وُلَاةِ الجَوْرِ. وَلَمْ يَكْتَفِ بِسُقُوطِهِ وَانْبِطَاحِهِ، بَلْ سَلَّطَ لِسَانَهُ عَلَى إِخْوَانِهِ مِنَ الدُّعَاةِ المُعْتَقَلِينَ وَالمُصْلِحِينَ، فَرَمَاهُمْ بِظُلْمٍ وَبُهْتَانٍ بِأَنَّهُمْ مِنَ (الخَوَارِجِ)، تَبْرِيرًا لِقَمْعِ السُّلْطَانِ لَهُمْ، وَتَقَرُّباً إِلَيْهِ بِنَهْشِ لُحُومِهِمْ.

قُلْتُ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ، وَمِنْ سُوءِ الخَاتِمَةِ. إِنَّ العَالِمَ إِذَا ذَاقَ حَلَاوَةَ القَبُولِ ثُمَّ اسْتُدْرِجَ بِرَهْبَةِ السَّلَاطِينِ وَرَغْبَتِهِمْ، عُمِيَ عَلَيْهِ الدَّرْبُ، فَيَرَى البَاطِلَ حَقّاً وَالحَقَّ بَاطِلاً. وَمَا أَقْبَحَ بِالشَّيْخِ الَّذِي كَانَ يُبْكِي النَّاسَ بِمَوَاعِظِهِ، أَنْ يَعِيشَ أَرْذَلَ عُمُرِهِ مُتَزَلِّفاً لِظَالِمٍ، طَاعِناً فِي رِفَاقِ أَمْسِهِ الَّذِينَ ثَبَتُوا حِينَ زَلَّ وَضَعُفَ! وَإِنَّ تَوْظِيفَ مُصْطَلَحِ "الخَوَارِجِ" فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ لِتَكْفِيرِ دُعَاةِ الحَقِّ وَإِرْضَاءِ ذَوِي السُّلْطَانِ، لَمِنْ أَعْظَمِ الزُّورِ وَالبُهْتَانِ الَّذِي تُسْقَطُ بِهِ العَدَالَةُ. نَسْأَلُ اللهَ الثَّبَاتَ عَلَى السُّنَّةِ حَتَّى المَمَاتِ، وَأَنْ لَا يَجْعَلَ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، فَإِنَّ زَلَّةَ العَالِمِ مَضَلَّةٌ لِلْعَالَمِ.
❤2
August 16, 2026 40