مما ذكره شيخ الإسلام التقي السبكي (ت: 756هـ) رضي الله تعالى عنه في رسالتِه البديعة "التعظيم والمِنَّة في قولِه تعالى:{لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُ}" بعد تقريرِه أنَّ سيِّدَنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مبعوث للأنبياء والمرسلين وأممهِم، وأنهم عليهم الصلاةُ والسلامُ نوَّابُه، وشرائعهَم شريعتُه ، وتقريرِه وقتَ حصولِ النبوَّة له صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.. قال:
(وبهذا بان لنا معنى حديثين كانا خفيا عنَّا:
أحدهما: قولُه صلى الله عليه وسلم: (بُعِثتُ إلى الناسِ كافَّةً)، كنَّا نظنُّ أنَّه من زمانِه إلى يومِ القيامة، فبان أنَّه إلى جميع الناسِ أوَّلِهم وآخرِهم.
والثاني: قولُه صلى الله عليه وسلم: (كنتُ نبيًّا وآدمُ بين الروحِ والجسدِ)، كنَّا نظنُّ أنَّه بالعلم، فبان أنَّه زائدٌ على ذلك).
قال الإمام الحافظُ السيوطيُّ: (وهذا التقريرُ الذي قرَّرَه السبكيُّ قد أشار إليه الشرفُ البوصيريُّ - وقد مات قبل السبكيِّ - بقولِه في "البُردة":
وكلُّ آيٍ أتى الرسلُ الكرامُ بها
فإنما اتصلتْ من نورِه بهِمِ
فإنَّه شمسُ فضلٍ هم كواكبُها
يُظهِرنَ أنوارَها للناسِ في الظُّلَمِ
اهـ كلامُ الحافظ السيوطي.
قلتُ: وللسادة الصوفيَّة قصب السبق في الكلام عن أسرار الحضرة النبويَّة على صاحبها أفضلُ الصلاة والسلام والتحيَّة؛ فقد أشار إليه قبل الشرفِ البوصيريِّ العارفُ ابنُ الفارض(ت: 632هـ) في "تائيتِه الكبرى" المسمَّاةِ بـ"نظم الدُّر" أو "نظم السلوك"؛ فقال:
وجاء بأسرارِ الجميعِ مُفيضُها
علينا لهم ختمًا على حينِ فترةِ
وما منهمُ إلَّا وقد كان داعيًا
به قومَه للحقِّ عن تبعيَّةِ
قال العارفُ الفَرْغانيُّ (ت: 699هـ) في شرحها "منتهى المدارك ومُشتهى لبِّ كلِّ كاملٍ وعارفٍ وسالك": (كان جميعُ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كالأجزاء والتفاصيلِ لحقيقتِه، وكانت دعوتهم دعوةَ الكلِّ لجميع أجزائه إلى كُليَّتِه، والإشارةُ إلى ذلك قولُه تعالى: {وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا كَاۤفَّةࣰ لِّلنَّاسِ}، والأنبياءُ والرسلُ وجميعُ أممهِم وجميعُ المتقدِّمينَ والمتأخِّرينَ داخلون في كافَّة الناس، فكان هو داعيًا بالأصالةِ وجميعُ الأنبياء والرسلِ يدعون الخلقَ إلى الحقِّ عن تبعيَّتِه، وكانوا نوَّابه وخلفاءَه في الدعوةِ وإظهارِ آياتِهم ومعجزاتِهم الجزئيَّة، وهو أصلُهم في الدعوة وإظهارِ آيتِه ومعجزتِه الكليَّة التي هي القرآن العزيز المخصوص به لا يشاركه فيه غيره؛ لجمعيَّتِه لفظًا ومعنًى).
صلَّى الله تعالى وسلَّم وبارك على أوَّل الأنبياء وباطنهم نبوَّة، وآخرِهم وظاهرِهم مبعثًا وبروزًا، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تنبيه: قولُ الإمام السيوطي عن الشرف البوصيريِّ: (وقد مات قبل السبكيِّ) فيه تجوُّزٌ؛ لأنَّ الإمام البوصيريَّ توفي سنة (694هـ) والإمام التقيَّ السبكيَّ ولد سنة (683هـ).
وكتب
أحمد بن سهيل المشهور
https://www.facebook.com/share/p/1CyCTGVqTP/












