كل فترة أعودُ لقراءة هذا المنشور، وأنا حقيقةً -كما هو حال الكاتب- يؤرقني هذا التساؤل كثيرًا، وأعرض على نفسي الكثير ممّا أرى وأسمع من هذه الابتلاءات العظيمة، ومع أنني أوطّن نفسي أن الألم كائن لا محالة، وأنّ الفقد صائر ولا ريب، ومع أنّني أحاول دائمًا أن أجعل الحق مرجعي في كل ما يعرض لي وأحب أن أوافقه محبة خالصة، إلا أن هذه التجارب تضعني أمام سؤال صعب!
في كل يوم أضع رأسي على وسادتي أنظر في ما فعلت في يومي، وأحاول فهم الحكمة في الأقدار والمصائر والخيارات التي تقع لي. ثم تعجزني هذه النماذج! وأجد نفسي خجلى، وأجدُ أن روحي تطلب هذا الكمال الإنسانيّ، وتسعى له فيما تستطيع، وفي المساحات التي تزاولها. وقد كانت لي الآمال الكبار في أمور من أمور الدنيا، ثم وجدتني لا أحدث نفسي بها إلا بين الفينة والأخرى، وشغلني هذا الأمر الذي أحدثكم به، كيف ننجو كما نجوا؟ لا بُد أنّ لهم بعض مكامن الضعف، ولا بُدّ أنهم يحاولون جهاد أمرٍ ما مثلنا تمامًا، ولا بُدّ أنُه يقع منهم الذنب الذي يقع منا، لكن بما ارتقى هؤلاء؟ وكيف بلغوا هذه الدرجات، أظنّ أنّ هناك حيزٌ كبير للعمل والجهاد اليوميّ في صغار الأمور وكبارها، لكن كم عرض لكم من سير الناس من وُكل إلى عمله؟ إذا هل هو سرٌّ قلبيٌّ خالصٌ؟ في ذاك الجزء البعيد الذي تعرفه في نفسك ولا يطلع عليه أحد سوى مولاك؟ أم هو اجتماع السرّ والعمل معًا؟ أم تراه التوفيق الرباني والمعية الإلهية التي يكرم الله بها عباده؟ أم هو اجتماع هذه الأمور معًا؟ لكن حتمًا أن السعيد هو من اصطفاه الله لهذه المنزلة، والمفلح من وُفق لهذا الأمر في دعائه في خلواته، والفائز من جعل كلّ عمله مدخرًا لمثل هذه النوائب، فهذه بتلك يا رب.. يا ربي الرحيم الكريم.




